سارة جلطي - زياد "الجزء الأول"

 

كانت الأعين ترمقها من بعيد وهي تحتضن طفلها بين ذراعيها كأن هذه الدنيا بكبرها وهذا الكون بعظمته وهذه السماوات بشساعتها قد وضعت بينهما. لكنها ليست ثقيلة، ليست ثقيلة البتة، كانت خفيفة جدا، جميلة جدا، ملائكية جدا. ...كان كل شيء جميلا لدرجة أنها أحست أنها حواء التي أرجعها الله للجنة من دون كل هاته الآلاف من النساء. ...محال ...محال أن تكون هذه هي الأرض، هذا هو هواء الأرض، هذا هو دفئ الأرض، هذه هي فرحة الأرض...محال جدا

ثم أمسكت طفلها بين يديها واقفة دون أن تأبه لتلك الأشياء الخاصة بها، دون الالتفات لمن يساعدها في توظيبها، ليس عدلا أن تزيح نظرها عن هذا الوجه الملائكي وتنظر إلى غيره ......من سيكون غير زوجها أحمد الذي لم تسعه الأرض من فرحته بابنه؟ لكنه وجب أن يبقى في الأرض لأنه الرجل الذي سيلملم شتات تركيز زوجته من غبطتها لأنه من سيتحمل تلك المسؤوليات العظيمة. لم يكن يود أن ينتشل زوجته من ذلك العالم الجميل إلى هذا العالم السيئ، هي تستحق كل الدلال، هي التي أهدته هذا البرعم الجميل وستكون الأمانة بعد الآن أمانتان الأم والابن

الابن الذي سيحمل الاسم ويكون سندا لأبيه وركيزة البيت الذي يعتمد عليه والده في غيابه، ثم يتغير اسم الاب من أحمد إلى أبي زياد ...أليست نعمة يعجز أحمد عن حمدها وعن وصفها؟ ...يعجز عن الفرح ...يخاف أن يكون فرحه غير لائق بهذه المعجزة، تكاد رجليه ترتفعان إلى السماء لحاقا بزوجته من فرحه لكنه يعود مجددا ليثبتهما على الأرض، مسؤوليات جسيمة جدا لا يمكن لثقل كهذا وحجم كهذا أن يسمح له بالارتفاع

دخلا إلى الحي والفرحة بادية على وجهيهما، تحاول أم زياد تغطيته جيدا كي لا تراه أعين الحاسدين. طبعا هي لن تنسى وصية أمها ولن تستمع لوصايا الطبيب الساذجة بعدم وضع الحناء والكحل في بقايا الحبل السري، سيقتلعه الكحل وهذا ما قالته أمها، هي جدته أحق به منهم ومن تفكيرهم المليء بالحذر الذي فاق الحدود. أما أبو زياد فقد استولت الضحكة العريضة على وجهه عندما ناداه رجال الحي في المقهى ومن البقالة ومن الشارع "مبارك يا أبا زياد مبارك "ودخل المقهى متباهيا: اليوم قهوتكم على حسابي. الله يبارك فيك أحمد. .... يبارك فيك يا أبا زياد. وخرج من المقهى وابتسامته تعلو وجهه .

في البيت داخل الغرفة فراش أبيض فرش خصيصا للملكة والأمير واكتظت الغرفة عن آخرها بالنساء والزغاريد والفرحة. جلست أمينة فوق الفراش وفي داخلها نميمة تكتمها إلى حين خروجهن فعلياء زوجة الخضار لم تبارك لها ولم تأت مع النساء الأخريات واكتفت بإرسال ابنتها مع خالتها لتستقصي أخبار ما جرى

حسنا يا علياء سأخبر أحمد ممنوع شراء الخضار من عند زوجها ياسين بل محرم

وتفننت عائلة زياد في وضع الطاولات بما لذ وطاب من الاكلات فرحا وسعادة. أخذت النساء تتكلمن وتضحكن وتتسايرن حتى جاءت "لالة عائشة " أم أحمد، جاءت بوجه عبوس جاد وبنظرة كلها غضب ولوم ونظرت إلى أمينة نظرة لا تبشر بالخير

" أعطني زياد ....أعطني حفيدي"  وعلقت على قميصه قطعة من الذهب وطبعت قبلة على جبينه وهي لاتزال عابسة، وأشارت إلى عمته رامقة إياها بنظرات جادة جدا فتبعتها ابنتها وتبعتهما أمينة بنظرات الضعيفة المسكينة التي لا يمكنها الكلام وشعرت كأنما نزعت قطعة منها بقوة. وبدا على وجهها الذي اصفر علامات الخوف والقلق وتمنت أن تنقض عليهما فتأخذ ابنها اليها وتقر صدرها الذي سكنه ألم رهيب في هذه الهنيهات. ثم نظرت اليها أمها نظرة طمأنة وتبعتهما لاستقصاء الأمر لكن أمينة لم يهدأ لها بال واستقر الشك في داخلها وأبى أن يغادرها فلحقتهن حيث ذهبن

وهنا سمعت أمينة ما لا تريد أي أم سماعه

"أخبرتك أنني عزمت على إعطائه لابني الأكبر الذي انتظر عشر سنوات ولم يرزق بعد، ومنذ أن حملت به ابنتك وأنا أرى رؤيا تجبرني على هذا. بالنتيجة سيعطيه أحمد لأخيه وليس لأحد غريب "

"سيرزقهما الله طفلا آخر بل أطفالا آخرين وسأعتني بهم كما يجب ولن أفرق بينهم، هم أحفادي جميعا "

وأصاب أمينة دوار حاد جدا لم تتمكن حينها من تمييز الأصوات والكلام الآخر غير أن هناك ملاسنة وهوشة بين أمها وحماتها وابنتها التي تقف في صفها، وغلبها الدوار الشديد حتى أسقطها أرضا


سارة جلطي، الجزائر



  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...