سارة جلطي، المرابطون

 

نحن الطبقة الوسطى هنا.... الطبقة القانعة الراضية ...الطبقة التي تطبق عليها القوانين

وتطالب بالواجبات مقابل أقلية من الحقوق، الطبقة التي ترى الطبقة الأكدح منها وتغض النظر عن الطبقة المخملية...الأغلبية الساحقة، وثلاثة أرباع الجزائر. . لكننا نعيش.... نعيش رغم كل شيء، نعيش تارة ونحيا تارة أخرى، نسقط مرة وننهض عشرا هكذا هي سنة الحياة هنا.

أقطن في حي شعبي بسيط جدا، به بقالة في أوله، وينتهي بطريق مفتوح في آخره لا تمر به الكثير من السيارات، ليس طريقا أساسيا بل مفترق بداية أحياء جديدة. بجانبنا كنز الحي وثمرة صلاح أفراده" مسجد مالك ابن انس" المسجد الذي جمع الأطفال والشباب والكهول على مصحف واحد، وعقيدة واحدة، وقناعة واحدة.

أبتي الرجل الذي أوشك على بلوغ الخمسين، والذي يعمل نجارا... "محمد النجار " أو" أبو زياد" مثلما يطلق عليه البعض، وأمي المرأة الماكثة في البيت الحارصة على النظام الداخلي للمنزل، بجانبها يبقى أخي زياد الذي لم يبلغ سن الدراسة بعد، أما عني فأنا فردوس ابنة السادسة عشر وبؤبؤ عيني والدي.

ببيتنا فناء خلفي جعل منه أبتي حديقة للمنزل به بعض النباتات والأزهار وشجرتا العنب التي للجيران نصيب منها دائما قاعدة أبي في العيش ومصدر صدقته النافع.

استيقظت اليوم على التاسعة إلا ربعا أقلب هاتفي ومواقع التواصل الاجتماعي خاصتي، إنها إحدى الأعمال الروتينية التي أقوم بها كل يوم، استغرق نهوضي من السرير عشرين دقيقة فتحت نافدة غرفتي التي تطل على الحديقة، رأيت زيادا يحمل طائرته فاتحا يديه إلى السماء يجرب الطيران، بجانبه أمي تحيك وشاحا وردي اللون مطرزا بالأبيض والذي أعتقد أن اللون الأزرق كان ليكون أكثر تلائما معه.

توجهت لغسل وجهي.. رفعت رأسي في المرآة وقطرات الماء تنزل منه ...وجه دائري أسمر، عينان خضراوان يظن الجميع أنهما جميلتان وتتلاءمان مع لون بشرتي، شعر بني به خصيلات شقراء وشامة طبعت على خدي الأيسر تحبها أمي ولا أحبها أنا.

تضع أمي ضحكة جميلة جدا على ثغرها عندما رأتني؛ تقبض يدها ثم تبسطها في إشارة منها أن" صباح الخير يا فردوس"، يأتي إلي زياد مهرولا ليعيد نفس الحركة وأردها عليه طفل ذكي. ـ استطاع تعلم لغة الإشارة بسرعة من خلال جلوسه معنا ـ

تسألني أمي بلغة الإشارة مجددا: هل تناولت فطورك؟، أهز رأسي بالإيجاب؛ أي نعم

جلست في الحديقة أتطلع إلى الأزهار والأشجار التي يحرص أبتي على تقليمها، أتطلع إلى السماء، إلى الشمس، ما عسى فتاة صماء بكماء ان تفعل غير التحديقَ؟

أرى زيادا يضحك لكنني لا أسمعه، أرى أمي تؤنبه بحاجبين مقطبين عندما يخطئ لكنني لا أسمعها، أرى طيورا تحلق في السماء لكنني لا أسمع زقزقتها، هكذا هي حياتي .... صامتة جدا ...الهدوء المزعج ...غياب الأصوات قاتل جدا ...ألم داخلي كبير ما أمكنني إخراجه طاقة مكبوتة كأنها قنبلة في طريق الانفجار.

يمر اليوم بجدولة من الأعمال التي وضعتها أمي مع تقييم يومي و أسبوعي ،كانت أمي امرأة عظيمة جدا ،نادرة جدا ،طموحة جدا ،و كان يوم الخميس من أكثر الأيام المملة التي تحرص أمي دائما و أبدا أن لا أتغيب عنه ،ثم الطبيبة النفسية في فترة الظهيرة ، و حصص المطالعة المسائية مع والدتي التي تنتقي لي مجموعة الكتب و الروايات التي نقرؤها و نناقشها بحسب ما تقتضيه لغة الإشارة هذه التي أتواصل بها و بقدر ما أستطيع التعبير عنه وبقدر ما تستطيع امي إيصاله ، كل هذه المصاريف التي كان والدي يكد لسدها بمساعدة أمي التي لم تتوانى عن صنع مأكولات تقليدية و بيعها ...كل هذه المصاريف حزت في نفسي جدا ..هكذا كان والداي ...يفعلان كل شيء من أجلي أنا اللاشيء ..ربما كان لزاما علي أن أكتب هذه الفكرة السلبية في دفتري لأريه للمرشدة النفسية ....لا أعلم... مستنقع من الأفكار السلبية يغرقني ..لا تكفي....قوتي لا تكفي لمجابهة الاكتئاب الحاد الذي دخلت فيه منذ أسبوع روتين قاتل استوطنني و هذا ما لاحظته أمي ..حبيبتي ..قارئة وجعي رغم كتمي ، و سامعة صوتي رغم صمتي ، أمي التي لم و لن تتنازل عن اقناعي بشتى الطرق بالدخول إلى معهد ذوي الاحتياجات الخاصة ، تقول أمي أنه لا بد من الانتماء ، الانتماء إلى قطعة ما ،إلى روح ما ، إلى عالم ما ..تصر أمي على الأمل الذي نحيا به و نحيا من اجله ، الأمل التي تراه هي و لا أراه أنا ، الأمل الذي أفتقده و هو بجانبي ،أمامي ، أمام ناظري ..

تفاقمت حالتي الصحية جدا، خاصة بعد التنمر الذي تعرضت له مؤخرا... محبطة... باكية ...متألمة، لا يمكنني الصراخ لإخراج غصة داخلي، لأخبر الجميع أنني أستطيع، لأخبر الجميع أنني قرأت كذا وثلاثين كتابا، وخمسا وعشرين رواية، لأخبر الجميع من أنا لأخبر الجميع أنني حية ولا يمكن تجاوزي، ولكن أين الصوت؟ أين الأحبال الصوتية؟ أين أنا من كل هذا العالم ...أين محلي من الإعراب ...أين؟

كثفت حصص الطبيبة النفسية هذا الأسبوع ،و خصصنا وقتا أكبر للعائلة خلصنا فيه إلى ضرورة دخولي إلى المعهد مجبرة ، حصص من الاسترخاء النفسي التي أقوم بها كل يوم في فناء المنزل ساعدتني على الخروج من النوبات القوية للاكتئاب ...أخيرا جاء يوم الإثنين الذي سأدخل فيه للمعهد ،ارتديت ثوبي الوردي يعلوه الوشاح الذي أخاطته أمي لي ، و ذهبت متوكلة على الله ، قررت الولوج إلى المعهد الذي يضم فئتي ، مجموعة الأشخاص الذين هم مثلي ، الأشخاص الوحيدين الذين يستطيعون تقبلي بعيدا عن مجتمعنا النكرة ، دخلت برفقة والدي الذي يحمل ملفي الطبي بقوة ، بشهم ، و قدمني إلى المدير دون خجل ، دون عقدة ، كأنه يقدم ذرة للمعهد رافعا رأسه للسماء ، ماسحا على رأسي في كل ثانية ، أن "اعتنوا بابنتي جيدا يا جماعة "...ولجت إلى داخل المعهد مع أستاذة تتقن لغة الإشارة ، استقبلتني بلطف كبير و أدخلتني إلى القطعة التي حدثتني أمي عنها ...إلى الانتماء الذي تكلمت عنه أم زياد ، وجدت من ابتلاهم الله بعيونهم و من ابتلاهم بسمعهم ، من ابتلاهم الله بأرجلهم ،بأيديهم وجدت من رفض المجتمع تقبلهم لكنهم تقبلوا أنفسهم ،وجدت نفسي بين كل هذه الضوضاء أدركت أنني لست خطيئة و لست عيبا ،أنني لم أكن يوما ناقصة و لست كذلك ،أدركت أنني إنسان رغما عن المجتمع ، رغما عمن رفضني ، رغما عن كل شيء ..........................

واضبت على حصص المعهد، مرت ثلاثة أشهر حتى الآن، صرت أرى الحياة من زاوية أخرى، صارت النافدة بابا وسمحت للأمل أن يلج سيدا إلى حياتي، لا حياة بلا أمل فعلا صدقت والدتي، وأصدقها الله عندما منحني فرصة كهذه لأرى نفسي فيها جيدا، لأجدني بعد عناء طويل جدا، كأن فناء البيت ليس نفسه ولا التربة نفسها، ولا الهواء نفسه، أغمض عيناي لأستنشق الهواء هنا .... اااه يا الله، كم هو منعش ...منعش جدا، هل كنت فاقدة لحاسة الشم ثم استرجعتها؟ أما عدت أنا أنا أم ما عادت الحياة مثلما كانت؟ شكرا لله على ما أعطى والحمد لله على ما أخذ، شكرا لوالديّ الكريمين، لرائحة الجنة التي تفوح منهما، شكرا للذين أعطوني فرصة أن أشم رائحة الحياة الحقيقية، أن أترفع عن النظرة الدونية للحياة، أن أولد من جديد وسط هذا الزحام، وسط هذا الاكتظاظ البشري، أن أكون "فردوس" التي من المفترض أن أكون، شامخة، واقفة، أن أعبر بقلبي وعيني ويدي عما امتنع لساني عن التعبير عنه، أن أكون أنا ببساطة ................................................................

اليوم و بعد مرور سبع سنوات تزوجت ، أخذت رجلا يحبني بسلبياتي و إيجابياتي ، بعيوبي و آثامي ، يحب شخصي و ليس جزءا مني فقط ، اليوم آمنت أنني سيدة بيت و ربة أسرة ، أصبحت أستاذة تدريب للصم و البكم بذات المعهد ، أليس رائعا ما نصبح عليه اليوم بعدما مررنا به الأمس ؟، يستحيل أن لا تشرق الشمس في مكان ما من هذا العالم ، لأن الله خلق شمسا واحدة لتدفئ العالم كله ، ليتسلل و لو جزء بسيط من أشعتها إلى كل قطعة من هذه الأرض ،لازلنا نجتمع على نفس الطاولة هنا أمي، أبي، زوجي جالسين نتبادل أطراف الحديث حول روايتي التي ستصدر قريبا جدا بعنوان "لا تفقد الأمل. "


سارة جلطي، الجزائر





 

  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...