سِرْتُ أَتَجَوَّلُ فِي دَائِرَةِ الفَراغِ مُتَرَقِّبَةً عَتَبَاتَ
الحَياة، في كلِّ مَرَّةٍ أَسْقُطُ وَأَصْطَدِم بِخيبةٍ سَوْدَاءَ ضَحايَاهَا
يَنشُدُونَ الخَلاَصَ
كُنتُ أسيرُ وَقلبِي مِلْؤُهُ الأسَى وَعَقلي رافضٌ أن يصدِّقَ ما يراهُ
من خرابٍ، صراخٍ، قَرقعةُ بنادقَ وَأَصواتُ عويلٍ، حينها تناهى إليّ صوتُ آهاتٍ
قادِمٌ من إحدى الزنزانات، كان صوتًا معذَّبًا يَشوبُهُ الألم، فانطلقتُ نحوهُ
مستفسرةً
فَتَحتُ البَابَ فإذ بروحي قَابعةٌ في الظلامِ وآهاتها في ازديادٍ " احتلوا
وطني، شرَّدوا الشَّعبَ، قتلوا صغاري وأسروا
المدافعين
تعجَّبتُ من أمرها وقلتُ: مَا لَكِ يا روحي متى احتللت ومَن
المُحْتَلُ؟ لمَ أنتِ هُنا قابعةٌ في سجنِ الاحتلال اللّعين؟
أجابت ونظرةُ الحقدِ في عيْنيها تموجُ: أتسألينَ وفلسطينُ تحتضرُ؟ ما بالكِ
أنتِ صرتِ جسدًا بلا روح؟
نظرتُ إلى جسدي فلم أَرَ غيرَ السوادَ فالتفتُ إلى نفسي فلم أَرَ غير
البياضَ، على وهلةٍ من شرودي صاحت نفسي: تعالي معي سأٌريك ما لذي يحصل في العالم
العربي. قادتني نفسي وأنا تائهةٌ في دائرةِ الفراغِ، اتجهنا إلى ممرٍ ضيقٍ بالكادِ
يمرُّ شخصٌ منهُ، كان المكانُ مسكونًا بالخرابِ يعُّمهُ الصَّمتُ وكأن الحياةَ قد
ماتت فيهِ أو انتحرت من شرفةِ الأفراح، وصلنا وهالني ما رأيتُ أكوام مكدَّسةٌ
لضحايا ملفوفةٌ براية خضراءَ رافعينَ العلمَ في أعالي السماءَ
قالت نفسي:" لقد مضوا فدائيينَ عاشقينَ لفلسطينَ وقاتلوا فدائيين
لاعِنينَ للاحتلال واِرتفعوا شهداءَ فدائيين"
رددْتُ على نفسي: "لقد كنتُ في غيبوبة إذًا لذلك غادرتني إلى أن
استيقظتُ"
أجابت: "دعيني أُريكي بقايا الحطام وآثارها في البلاد"
توجهنا إلى الطَّريقِ المُعَاكِسِ وفي أُولى خُطَانا سمعت أنَّاتٍ منبعثةً
من الصميمِ، آهاتٌ تتلقى الطَّعناتَ ببسمةٍ أبيةٍ والسَّكاكينُ تخترقُ الأحشاءَ
والفؤادَ ضائعٌ في الأهواء، وفي الجهةِ المقابلةِ يوجدُ ذلك العدو اللَّعينُ
الملقب بالكيان الصهيوني يُصوب المدافع نحو الأطفال المشردين ويقذفُ القنابل
والصواريخ في اتجاهِ فلسطين، نظرتُ إلى الوراء فرأيت العالم العربي في سباتٍ،
تعمَّقْتُ في النظرِ إليهِ فأيقنتُ أنه صار مقبرةً للأحياءَ يضم مجموعة من
السُّكانَ هَمُهم الوحيدُ تجسد في الخبز والجبن وكل آمالهم تجسدت في كسب الأموالَ.
سحبتني نفسي إلى مكانٍ آخر بعيد عن تلك الضوضاءَ، مكانٌ يشوبهُ السوادُ
فقط بهِ عدة قبور بيضاء على ما أظن اسمها مقبرة الشهداء، تجولنا بين القبور وعلى
بعد أمتارٍ منَّا شاهدنَا طفلةً صغيرةً تبكي بحرقةٍ وتصرُخُ: "أَعِيدُوا لِي
أُمِّي وأَبِي، أَعِيدُوا لِي وَطَنًا وحُرِّيَة وضِحْكَةَ أَطفالٍ غزِّية،
أعيدُوا لي أٌمِّي وَأَبي"
علمتُ عندها أنَّها صارت يتيمة فأمسكتُ بيدها وهمستُ لها:" لا تبكي
يا صغيرة فوالداك قد رحلا عن الدنيا الجميلة، إلى أعالي السماء، إلى خير مكان في
الوجود"
فقلت:" صرتُ يَتيمة، وحيدة لا مأوى ولا أمل لي، اختفت الابتسامة
وبقيت الدمعة تجول في الأرجاء"
عند سماعي لمعاناة الطفلة لم أشعر بنفسي إلّا والكلماتُ
تتدفًّقُ من فاهي: "يلعن الاحتلال".
مريم لقطي، تونس

