محمد. ....
يا محمد "، "هل تسمعني! " ....."هل تسمعني يا ولدي!
"اسمع جيدا يا سيدي ثق في رجال الحماية وأرح نفسك يا عم
...هيا عد إلى بيتك وسنجد محمد من أجلك. ...سنجده هذا وعد!"
يعود عمي عمر يجر أذيال التعب والإرهاق معه إلى منزله،
رجل ستيني لا يقوى على كل هذا الحزن تستقبله أم محمد عند الباب " خيرا يا أبا
محمد بشرني. ...بشرني يا رجل!" ينظر إليها عمي عمر بنظرات حزينة جدا تستولي عليها
الخيبة وتطفو في عينيه دمعات أبى إلا أن يحبسها خوفا على أم محمد " لازال
الرجال يبحثون ...سيجدونه. ...سيجدونه أنا متيقن من هذا. "
"اااه يا
ولدي اااه ؛ أين أنت يا ولدي أين أنت يا محمد"
"اللهم رد لي ابني سالما غانما يا رب".
مجموعة من القوات قد سخرت للبحث عن الجثث التي جرفتها
المياه؛ و إنقاذ من بقي حيا جريحا ينتظر معجزة تعيده إلى الحياة مجددا و لازالوا
يبحثون عني .....أنا محمد .....يبحثون بين شظايا الحياة ...وسط المنكوبين الذين
أصابهم الإرهاق النفسي و الجسدي .....أصابهم ما يصيب مواطنا بسيطا مثلي ....مواطنا
لم تتكلم عنه سوى تلك الخمسة أسطر في الصفحة الأخيرة من جريدة الأسبوع ....- شاب
في مقتبل العمر مفقود وسط نكبة الفيضانات التي حدثت هذا الاحد و قد جرفته السيول
بعيدا عن بيته آملة عائلته أن تجده ان كان حيا أو أن تجد جثمانه ان كان ميتا فتقر
على الاقل عين أمه و يكرم بالدفن-.
لكنني كنت أبحث عن الأنا التي ضيعتها وسط الركام في حين
كان الجميع يبحث عن الجسد! هذا الجسد الضرير الذي لم يعد يقوى على الحراك بدون روح
.... هجرته روحه من كثرة الخيبات المريرة ...كنت أسير وسط الشارع وأنا أدرك أنني
شبح لا غير أو روح أرادت أن تودع الأرض قبل الالتحاق بالسماء وقد تركت ورائي جسدا
غارقا في دمائه جرفته المياه تحت جدار لا أدري إن كان هشا منذ البداية أم كانت
المياه سببا في هشاشته لكنني أدري جيدا أنه ضغط على بقوة حتى انفجرت الأوردة والشرايين
وأردت مني قتيلا، قطعت يدي وجرفتها المياه هي الأخرى بعيدا عن هنا ...ياااه من
سيدرك أن هذه اليد لمحمد. ..... لقد قطعت اليد اليمنى بينما كانت في اليد اليسرى
ساعة جميلة أهداني إياها والدي.
نعم.... نبذة عن
حظي السيئ الذي لم يسعفني حتى في الموت، الحظ الذي حملته طول حياتي ما أصابني،
إنسان فاشل لا يقوى على تحمل مسؤولياته يعني مواطن يعلق فشله المتكرر على شماعة
دول العالم الثالث المهم أنني تابعت سيري في شارع مملوء بالماء والسيارات المحطمة والبيوت
التي أسقطتها المياه والأجساد التي كان بعضها حيا ينازع صارخا طالبا النجدة.
.. ولكن هل من مستمع! وافت جلهم
المنية قبل وصول الدعم الذي أوشك على الانتهاء من إخراج الجثث من البالوعة منهم من
مات غريقا ومنهم من سحبته المياه في قنوات الصرف ومنهم من سقطت عليه الدور والجدران
مثل ما حدث لي مع طفل لم يتجاوز العاشرة وقد ابتسم لي ابتسامة بريئة قبل أن يذهب ...كان
يحس بالأمان إذ أن معه رجلا في نفس الوضعية تحت رحمة الجدران؛ هذا الرجل الذي لم
يقاوم إلا عشرين دقيقة من وراء طفل صغير؛ عشرون دقيقة من الألم القاتل أحسبني
حسدته على موته في تلك المدة التي كانت بمثابة عشرين سنة.
تحت الجسر شيخ
طاعن قتله شربه لكمية كبيرة من المياه المحملة بالوحل وقد أخرج عيناه لحظة موته وأبت
أن تدخلا إلى مكانهما بعد خروج الروح، رؤيته توقن جزما أنه مات مخنوقا لكنني لا
أظن أن شيخا في سنه لم تخنقه الحياة هنا من قبل أي أنه معتاد على خنقات الحياة المريرة
لكن هذه الخنقة مختلفة جدا... إنها خنقة الموت ...كان إيجاد جسمه سريعا جدا وكذلك
تعرفت عائلته على جثمانه أي أن أمره حل بسهولة. .... أتساءل متى سيجدون جسدي الذي
خرب ملامحه ضغط شديد على العظام حتى تكسرت ويد يمنى مفقودة، ربما كان من الاحسن
عندما بقيت الساعة في اليد اليسرى ليتعرف على الأقل والدي عليّ .... منحة في محنة
أليس كذلك!
أكمل شبحي الطريق نحو بيتنا أين تنوح أمي ممسكة صورتي وقد
ضمتها إلى صدرها ويصلي أبتي باكيا في سجود أبى أن يقوم منه ...أراقبهما في شوق.
...كانا بقربي جدا لكنني بالكاد أستطيع لمسهما أو يستطيعان سمعي.
توجهت إلى غرفتي،
مكتب فوضوي كنت قد وعدت أمي بتنظيمه مثل كل مرة وعود كاذبة نعيشها كل يوم، نعيش
وسط كذبة تكنى بالحياة .... أمام سريري قطعة من الحلوى وضعتها أمي التي تدرك أنني
أحب جدا ما تصنع قبل أن أذهب إلى حارة الخياط عند صديقي والتي تبعد عن حينا مسافة
نصف ساعة تقريبا فداهمتنا المياه وأدركتني وأنا خارج من عنده أستودعه الله ويستودعني
الله الذي قرر أخذ أمانته إليه.
خرجت في منتصف
الليل إلى الشارع مرة أخرى عادتي القديمة التي لن أغيرها حتى ولو كنت روحا فقط،
أسير في ظلمة حالكة لا نور فيها سوى ومضات من ضوء خافت جدا ينبعث من مصباح الحي
الكهربائي المعطل، توغلت في ملعب الحي الذي كبرت وأنا أمضي وقتي هناك أسترجع
ذكريات وسقطات وضحكات أمضيتها بحثا عن الهروب ...عن الهروب من كل شيء. ..... من جبل
أثقل كاهلي ولم أستطع حمله، ولجت إلى المسجد الذي لم أدخله منذ زمن طويل جدا، آخر
مرة دخلته كانت من أجل وظيفة أردتها بشدة وتم رفضي فهجرت بيت الله ياااه كم اشتهيت
الآن أن أصلي ركعتين وقطرات الماء تنزل من وجهي ومرفقاي....
حل السكون الظاهر في الأرجاء والضوضاء الباطنة في الأنفس
وقد جافى النوم الاباء وسكن الحزن الأمهات ينتظرون الصباح من أجل خبر يطمئن أنفسهم
القلقة وراحة تسكن فؤادهم. عدت إلى مكان الأجساد والدماء والجثث حيث رائحة الموت
اختلطت برائحة الدم القذرة، بدأ الضوء يتسلل إلى الأرجاء فاتجهت أستقصي خبر جثتي
الهامدة ووقفت من بعيد أراقبهم ينتشلون جسدي من تحت الركام .... جسد ظهر الألم والعياء
جليا عليه، وامتلأ كله بالجروح والتراب وابيضت شفتاي لجفافهما من الدم، حمل بي من
طرف ثلاث رجال كشيء واقع في الأرجاء وطرح أرضا بقوة ليوضع في كيس أبيض، كيس الجثث.
ااه ما أضعفني في
ذلك المنظر ...في تلك الصورة وأنا محمد الرجل العريض المنكبين القوي البنية.
توغلت معهم إلى مصلحة الموتى وقد كنت بقرب جسدي لدرجة
كبيرة جدا أتلمسه .... بارد جدا.
بجانبنا رجال الحماية المدنية الذين انتشلوا جثتي كما
انتشلوا العديد مثلي يتسامرون الأحاديث والضحكات يتسلون وهواتفهم في أيديهم.
دخلنا إلى غرفة
امتلأت بكاملها بجثث المفقودين الذين ينتظرون أولياءهم للتعرف عليهم وقد استدعي
والداي إلى المشفى وأنا متأكد أن أمي أصرت على القدوم عنوة واضعة وشاحا أسودا تسير
بخطى متثاقلة جدا لا تقوى على خطو خطوتين متتاليتين دون الاستناد على والدي الذي
شحب لونه واصفر وجهه وشرد ذهنه وقفان ينتظران الدور مع مجموعة أولياء لا يمكن
وصفهم بأقل مما وصفت والداي ...
عندما نادى المسؤول أبتي ليدخل لمعاينة ما يقارب عشر جثث
لمعرفة جثة ابنه أجلس أمي على الكرسي ورفض رفضا قاطعا أن تلج معه إلى الداخل. ....
هنا قررت أنا الخروج من غرفة الأموات ومن المشفى كله .... قررت العودة إلى الديار
التي أنتمي إليها الآن. ...قررت ألّا أرى ردة فعل والدي ولا حزن أمي، خرجت من
الباب الرئيسي وقد وصلني صراخ أمي من الطابق الثالث وجاهدت نفسي على عدم العودة
إلى هناك واستسلمت جدا إلى النسيم ليرفعني إلى السماء.
سارة جلطي، الجزائر

