زكرياء منيخ - تعلم المواجهة

 

هل تعلم؟ أن العديد من الأشخاص في هذه الحياة لا يجيدون أسلوباً يدعى المواجهة: هي بمفهومي البسيط التصدي لشيء ما ومقابلته، أن تقف وجها لوجه مع طرف ثان سواء كان شخصاً، عملاً أو عادة وغيرها من الأمور التي قد يتعرض لها أحد ما ويضطرُ لمواجهتها، لا أظن أنَ هناك شخصاً لم يقع في موقف معين جعله يدخل في مواجهة سواء انتهت لصالحه أو باءت بالفشل.

غير أنَ أسلوب المواجهة يختلف فإن كنت ممن لا يرغبون بالاختباء فأنت موجود لتقف في أعلى الجبل بعد تسلقه، صحيح أن هناك العديد من المواجهات في هذه الحياة وتختلف على حسب من تواجهه، لكن المهم أنك تؤمن بهذا الأسلوب وليس من الضروري أن تتقنه فمع الوقت ستجد أنك تسرد قصصاً عنك تتضمن مواجهات خضتها.

إنَ أعظم مواجهة يخوضها الإنسان في حياته هي الفترة التي يقع فيها خصماً لنفسه فالنفس أمارة بالسوء، وإن لم تستطع التحكم فيها فأنت في ورطة كبيرة، لكن الخبر الأجمل هو أن تروي حكايات تتعلق بمواجهات خضتها ضد نفسك وكنت الطرف الرابح فيها دائماً فكثيراً ما نسمع عن شخص أقلع عن التدخين بعد ثلاثين سنة من الإدمان فهذا الإنسان حتماً دخل في صراع كبير للتغلب على نفسه واستطاع النيل منها، فأصعب شيء هو التوقف عن ممارسة شيء كان يسري في عروقك منذ سنين وكما هو معلوم أن تتعود على شيء لفترة ثم تعلن إقلاعك يعتبر شيئاً ليس بالقليل على حد علمي وهناك مواجهات أخرى تتضمن دخولك في صراع مع شخص ما، ليس كنزال أو شجار بل نقاش تختلف فيه الأفكار ويحاول كل طرف التعصب لفكرته ليس المهم من يخرج منتصراً بل المهم أنك تندمج في المجتمع من خلال حوارات تدور بينك وبين أطراف أخرى فتعرض أفكارك ويعرضون أفكارهم وتخرجون بحل يرضي الطرفين سواء بإقناع الواحد للآخر أو بالانسحاب و التشبث بفكرتك والمفيد من كل هذا هو أنك واجهت وطرحت معلوماتك على الطاولة، وقدمت أفكارك واستنتجت في الأخير شيئاً ينفعك صار من المكتسبات، وهذا أفضل بكثير ممن يفضل الانسحاب أو الاختباء على المواجهة التي  بخوضها ستزيد من قوة شخصيته وتكسبه المزيد من الخبرة، فيتجنب الوقوع في هفوات الصغار كما أنَ من يتعود على المواجهة يصبح ذو كلام رزين يتسم بثقة زائدة على عكس من يرضى بالاختباء.

وإذا أبصر الإنسان بعقله فقد تكون المواجهة التي سيخوضها قبل ساعة من حضور موعده، قد تعود بالفائدة عليه وتطرح عليه حلولاً لم يصادفها في حياته من قبل، كما أن المواجهة في حياتنا هي خبرة وحنكة وليست بحرب تدوم شهوراً، فقد لا يدوم هذا المشوار الذي تخشاه أكثر من ساعة لكن يكسبك أموراً عديدة وأنا أتكلم على أبسط الأمور في حياتنا اليومية، مثلاً أتتذكر يومك الأول أمام جهاز الكمبيوتر أظن أن كل من يقرأ هذه الجملة الآن يضحك، ألم تكن في رأسك الكثير من الأسئلة كيف أشغله؟ ماذا لو أصدر صوتاً أو لم يعمل كيف أوقفه وكثير من الخوف والأسئلة الساذجة التي صادفت معظمنا لكن مع الممارسة والإجابة على كل تلك الأسئلة التي غزت مخيلتنا تغلبنا على خوفنا وواجهنا جهلنا ثم انتقلنا إلى أمور أخرى وهكذا، في بعض الأحيان تسخر من نفسك أليس كذلك، وتقول كم كنت غبياً، قد تعتقد أن هذا الشيء فطرة فمن يحاول ينجح ومن يريد يتعلم لكن لو لم تكن لديك روح المواجهة وتخطي ما يسمى بالمحال لما حققت ذلك وأموراً أخرى عديدة.

كن على علم ويقين أنه لا يهم مدى قيمة المواجهة التي خضتها فقد توسوس نفسك وتقول: فلان أحسن مني وقع له كذا وكذا وتغلب على محنته، أو فلان كل الناس تستدل بالمغامرة التي خاضها في ذلك اليوم، لكن لما لا تشغل عقلك وتستوعب شيئاً، هل مواجهة ذلك الشخص عادت عليه بالنفع؟ هل علمته شيئاً عن الحياة؟ أو كانت مجرد ذكرى للناس جعلته  يتفاخر أمامهم ، إن قارنت تجربة المواجهة التي خضتها أنت ولم تختبئ خلف مخاوفك، وما تعلَمْتَهُ منها رغم بساطتها و سهولة المواقف التي تضمنتها مع مواجهة ذلك الشخص الذي يمدحه الناس لوجدت نفسك كسبت من المواجهة التي خضتها أفضل منه، و هذا كأبسط شيء فكلام الناس لا يفيد و لا يضر بشيء فلا تُعرْ لذلك أهمية و لا تهتم بتوافه الأمور، بل احرص على ملأ خزانك بالوقود الكافي حتى تستطيع السير بأمان و لا تتوقف في مكان تكون فيه وحدك ولا تجد من يساعدك وتكون نقودك قد نفذت ومحطة الوقود بعيدة مئات الكيلومترات فماذا تفعل في هذا الموقف ؟

خير الكلام أنه رغم تعدد المواجهات ومدى صعوبتها أو سهولتها وخوضك المغامرة من أجل الخروج منها منتصراً، المفيد أن تخرج بجملة من المكتسبات تعود عليك بالنفع في حياتك المستمرة.


زكرياء منيخ، الجزائر



  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...