سارة جلطي - صرخة غريق "الجزء الأول"

 

لكننا كنا نتسول بصيصا من الأمل، نشحت شيئا من الضوء في ظلمة عاتمة... ربما شمعة من النور يضيئها فاعل خير فيصيبنا من نورها ودفئها ما يعيد الحياة

وما زلنا على خطى متثاقلة نتمايل يمينا ويسارا ننتظر أن تنالنا بركة التفاؤل التي نالت آخرين أصابهم مثل ما أصابنا أو ضعفه

مراد في الثلاثين من العمر عاطل عن العمل .... أو عاطل عن التفكير لا أعلم ...عاطل عن كل شيء

والدتي امرأة قد بلغ منها المرض مبلغا أنال من دعواتها العديد كل يوم أحسبني لم تصلني أيها لعلة في أنا وليس في دعواتها القلبية المنهمرة دون توقف، يخالجني مثلما يخالج أبناء وطني...فكرة شق الأبيض المتوسط دون عودة دون رجوع دون التفاتة، ولا يهمني أن يلتقطني حوت أبيض فيزعجه مذاقي ويرميني في اليم جثة ممزقة. ولكن كل ما يهمني أم قضت عمرها في تربيتي وأخاف عليها من الخيبة لكن خيبتي بنفسي أكبر

ولازالت تراودني كوابيس البقاء في هذا الوطن كل ليلة وأحلام الخروج إلى جنة الدنيا...هناك حيث النعيم المقيم، كان لابد من ملئ الفؤاد بالحجر ومسح الغبار لرؤية المستقبل، كان لابد من المضي إلى الأمام دون رجعة دون عاطفة دون تفكير دون حنين.

امتطيت زورق النجاة وأحسبه كذلك في أربعاء مظلم فجره تاركا ورائي أما تظن أنني أغط في نوم عميق

معي عشرون شابا ممن حملتهم عاصفة الجنون مثلي على فعل ما نفعله ...ضرب الجنون الذي كنا نحسبه عقلا راجحا، كان البحر هادئا جدا والسماء مليئة بالنجوم التي لا نفقه شيئا من علمها متناثرة هنا وهناك تضيء ظلاما حالكا أحاط بنا من كل جانب ظلام مخيف جدا، آخر مرة خفت خوفا مشابها كنت في العاشرة من العمر اختفى عندما حضنتني أمي، لكن أين أمي الآن؟ وأين أنا في وسط البحر الأبيض المتوسط؟ يبدو من اسمه ودودا لكنه غير ذلك في ظلام حالك، ماهي الا ساعة أو أكثر حتى بدأت الشمس في الظهور من بعيد وبدأت تتضح وجوه العشرين شخصا، وجوه أعياها الفقر، أعياها الانتظار، أعياها أمل ذابت شمعته.

"لازال ينتظرنا الكثير" يقول الشاب الذي يجلس أمام محرك الزورق ليتحكم به، يبدو من نبرته أنه اتجه في هذا المسار أكثر من مرة على ما أظن، لا أعلم ما الذي يدفع رجلا لشق هذه الطريق كل مرة- أتساءل ثم أجيب -" مبلغ الثلاثين مليونا التي شاركت بها أيها الغبي " إذن ثلاثون ضرب عشرون " "ممم ... ستة و الصفرين ممم  ... ستة مئة...ستة مئة مليون ' لابأس مبلغ يستحق المخاطرة على ما أظن، اااه ما سيحدث لعمي محمد عندما يكتشف أن الثلاثين مليونا التي أقرضني إياها من أجل المشروع هاجرت بها، وقد وعدته بإرجاعها تقسيطا على دفعات. ما أطيبه وما ألئمني من رجل !

توقظني من سرحتي هذه سرحة أخرى، سرحة البحر التي تذكرني بذنوبي وأخطائي .... وأمي، كيف حالك بعدما علمت عني ما علمت؟ ااااخ من الظروف اااخ ....."حراق" سيطلق الجميع عليك اسم حراق يا مراد ستبقى كذلك مهما مرت السنون والأعوام، ستكتب ذلك جدران الحي ورمال الأبيض المتوسط، ستحفر في ذاكرة الجيران أنك تركت أمك وحيدة وأدرت ظهرك كالجبان. ..."حراق" .

تتخابط في رأسي مجموعة من الأفكار اللئيمة لتعاقبني بالتذكر والندم.

حل المساء علينا ونحن في عرض البحر، تغير لون السماء الأزرق إلى رمادي ولا زلت أذكر تلك الغيمة السوداء التي ظهرت لتقلق جميع من في الزورق ولازالت تقترب منا والجو يتغير تدريجيا. البحر كشر عن أنيابه ماسحا ذلك المنظر الساحر، العاشرة ليلا وزورقنا يمشي بصعوبة كبيرة تصده رياح عاتية والماء يلطمنا من كل جانب ...بقوة...كأنه يعاقبنا لأننا نستحق، بدأ الشباب بالتكبير والتهليل وأنا متأكد أن أحسنهم لم يصلي الصبح وجاء مسرعا إلى القارب بل أحسبهم لم يغسلوا أوجههم من حماس أردته العاصفة ندما، الآن لا يمكن للزورق الصمود أكثر .... الثانية عشر ليلا، مملوئين بالماء مملوئين بالرعب فارغين من الروح فارغين من العتاد الذي رميناه خوفا من غرق الزورق، تنتابني حمى الندم: اااه يا مراد ما أحمق الإنسان ليموت موتة مشابهة ! أليس أولى أن تموت في أرضك وتصلى عليك صلاة الجنازة في المسجد وتهمر عليك الدعوات ليخفف من عذابك قليلا؟ أم أن يلتقمك الحوت ويصلى عليك صلاة الغائب إذا قبل المصلون الصلاة عليك أصلا؟ ومن يصلي على رجل ترك أمه وراءه وجرى إلى الموت برجليه؟ ثم لطمة أخرى من الماء كأنها توافقني رأيي في نفسي ...

الثانية ليلا؛ تعبنا ولم يتعب الماء منا وقد أشربنا اللترات وأعيتنا اللطمات وأخافتنا أصوات البحر من الأعماق....

"منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا الله تبديلا " أين نحن منهم؟ أين أنت منهم يا مراد؟ .... يا حراق ... يا جبان ..... يا عالة المجتمع والبشرية. تراودني نفس الآية لتعاتبني دون توقف ومنظر فرعون أمامي يتجلى ظاهرا كيف أغرقه هذا الكم الهائل من المياه وأنا الذي أعيتني لطمة منه فقط. الثانية والنصف ثم ماذا ؟ ينقلب الزورق ويبدأ الجميع بالصراخ .....


سارة جلطي، الجزائر


الانتقال الى الجزء الثاني



  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...