سارة جلطي - صرخة غريق "الجزء الثاني"

 

بهذا القدر فقط تقذفنا مياه اليم هنا وهناك؛ متشبثا بقطعة من الخشب وهبني إياها حظي مستهزئا واقفا في صفي لأول مرة وأنا أشاهد الجميع يقاوم ليبقى على قيد الحياة .... صراع البقاء هذا الذي لا مفر منه

مرعب منظر الموت يختطف من حولك؛ ومياه البحر المغرقة تفتك قطعة الخشب مني بقوة وتبتلع الأجسام بشراسة وأصوات الغرقى غطتها أصوات البحر وأسياده الذين سمعنا أنهم يعيشون في جوفه؛ ما أضعفك أيها الإنسان! ما أضعفك يا مراد .... ثم يخبرني أحدهم أنه لا يخاف. ...بلى يخاف الإنسان؛ يخاف على نفسه ...على أهله ...على من يحبهم بصدق...يخاف الإنسان من الفقد؛ من الضياع من أن يتيه في مفترق طرق لا بداية ولا نهاية له؛ يخاف الإنسان من الضمير من التأنيب من الكوابيس؛ يخاف عندما يقترب منه الموت والمرض والهم ...بل يخاف من الله فيخطئ ثم يتوب ويعصي ثم يعود ويتوقف ثم يمضي...أليس الخوف نعمة فقدتها في وقتها وحضرتني الآن كنقمة لتعاقبني .... أحارب الماء وقد أعياني عناده...ما أوسعك أيها البحر وقد خلقت لتمد وتجزر وتجرف حمقى مثلي لتقذف جثثهم المتعفنة في الصباح الباكر رافضا أن يبقى في جوفك غير الأحياء من مخلوقات الله الأخرى التي لا تتوقف عن التسبيح

بجانبي رجل اتكئ على خشبة أصغر من خشبتي وخيبته أكبر من خيبتي يبتسم لي وهو يعلم أن القدر يتركنا لنعاين موت الآخرين واحدا واحدا يطالعني وأطالعه

عينان حمراوان وجه شاحب ابتسامة في الثغر وصرخة تملأ الجوف لا يقوى على إطلاقها ثم يتمكن التعب منه ويترك ياقة قطعة الخشب ويستسلم للبحر؛ يلتهمه دون شفقة وأي خطأ تكتيكي ربما؛ اللعنة عليك يا مراد اللعنة ...لدي جسد قوي البنية كنت أتكئ به على الحائط في الوطن على الأقل صار ينفع هذا الجسم بشيء اليوم ينقذني لهنيهة إضافية ربما .... بدأت أشعة الشمس تتسلل وكلي إرهاق وأنا متأكد أنني لن أستطيع الصبر أكثر مما صبرته حتى الآن ثم ظهرت مجددا أوجه الخمسة أشخاص الباقية على قيد الحياة البارحة فقط كانوا عشرين، عشرين عبئا على هذه الأرض صرنا ستة أعباء متلاشية.... ما أسعدك أيتها الأرض! صرت أقل وزنا؛ يخالجني شعور الموت الآن وقد هدأ البحر واستوى الأفق وبرزت السماء؛ وقد أنهكت نفسي في معركة كاسبها معروف "اليم" سيد الممالك

ومال مراد بالبحر والممالك والغربة! ..... أفكر جديا في ترك نفسي للبحر الآن ...ثم أسمع صافرة ...ثم صافرة يقترب الصوت أعجز عن تدوير رأسي بزاوية لرؤية مصدر الصوت من كثرة العياء والهلع؛ تحاصرنا القوات البحرية الجزائرية من كل جهة. علمت حينها أننا لم نكن سوى بقرب البلد و أن دعوة من دعوات أمي حملتها العاصفة لتأتي بي اليها و تقر عينها و لكم كان مخزيا و هم ينتشلون جسما كجسمي ليعيدوه و هو يجر أذيال الخيبة ....الجسم ذاته يا سادة لكن مراد مختلف.... مراد هذه المرة فعلا مختلف...


سارة جلطي، الجزائر

الرجوع الى الجزء الأول



  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...