عدنا بعدها الى البيت يا صغاري وأنا أفكر في كل كلمة نطقت بها زوجة ابي
...
قررت بعدها أن أزيل وشاح العمى من على وجهي وأن أقف وأعاهد نفسي على
التغيير، فإلى متى وانا أقدم السوء لنفسي .
تأسفت من زوجة ابي قائلا لها: إن كنت روحا أرسلتها لي الحياة فأنت نعم
الروح ونعم القلب العطوف انت جنة اهداني إياها الله. ماذا عساي أقول غير أنني آسف
.
فمسحت براحتها على رأسي وردت: لا بأس، كما أخبرتك مسبقا أني لم اكترث لأفعالك،
بل كنت على يقين أنك تحبني وأن ما كنت تقوم به ليس الا تعبيرا منك بطريقة لا ارادية
وعفوية جدا عن حزنك وغيظك على فراق أمك. من حقك ألا تقبل احدا مكان والدتك رحمها
الله واسكنها الجنان لكن لا تستسلم وواصل مسيرتك في هذه الحياة
بعد انقضاء كل هذه الاحداث يا ابنائي قررت الاجتهاد في دراستي الا انني
فشلت ولم أستطع المواصلة فقلت سأختار شيئا اخر. وبالفعل عملت واشتغلت واخترت
مواهبي بابا يساعدني للخروج من جحيم القنوط الى ساحة وواحة التطور والتغيير
قررت فتح محل صغير أجمع فيه عدة مؤلفات وكتب قديمة وجديدة أبيعها لأبناء
الحي. فقد كنت مهووسا بالمطالعة رغم أن هذا أمر لا يظهر على هيئتي فالكل يحسبني
فاشلا
تعرضت للسخرية وقيل لي
"كيف لتافه مثلك ان يشترى منه؟ عد الى نفسك لترى من انت"
كم آلمتني هذه العبارة كثيرا
يا صغيريّ، لا تكترثا لما يتفوه به الناس، لا تهتما بهم مثلي فإنكما لو
انتظرتما اراءهم في كل ما تقومان لن تفلحا اذا أبدا وستظلان عند قارعة الطريق لا
ينصت لكما احد
ربما ما كان يحدث معي من فشل في اعمالي لم يكن الا تكفيرا عن ذنوبي يوم
كانت والدتي على قيد الحياة يوم كنت اسعد بملذات الدنيا ولا اكترث لكلامها
تكفيرا عن ذنوبي يوم كنت اتفوه بكلام غير لائق لزوجة ابي
تكفيرا عن ذنوبي يوم خنت عهد الاصدقاء
الحياة انصفتني ففي البداية اكرمتني وفي النهاية عاقبتني...
بعد مرور سنين قرر والدي الانتقال من الحي الذي كنا نسكن فيه فطويت صفحة
الماضي ونسيت تماما أني تجرعت من كأس العلقم وما اتخذته الا وسيلة من وسائل الحياة
التي تعاقب بها المخطئين
أعدت فتح محل جديد وقد نجحت الفكرة ورحب بها الجميع فقمت بتنظيم مسابقات
ادبية كل من لديه كتاب قديم يبادله وهكذا حتى تعم روح المطالعة والثقافة والفكر
الراقي.
هكذا يا صغار حكايتي في شبيبتي. تمر علينا السعادة حتى نغتر بأنفسنا وتمر
علينا السنين العجاف حتى نقبر في كآبتنا. لكن العاقل يا اولاد هو من يحسن التصرف
مع عواصف الحياة فلا يقول انها ظلمته بل يدرك ان الحياة تكفر عن ذنوبه لا غير فكما
قلت لكما، حياة الانسان فصول يمر على الانسان الفصول الاربعة.
في الأخير، احسنا لمن احسن اليكما وأحبا من احبكما وتيقنا أن الله معكما
ويحفظكما.
حياتك المزهرة ليست الا فرصا متتالية عليك أن تستغلها حتى تبلغ القمم.
والأحداث البائسة التي تمر عليك ليست الا امتحانا لك، وان لم يكن امتحانا
اذن فهو تكفير لذنوبك
حسنا..؟
الحياة لا تظلم احدا بل ان لها دوران فقط هما منح الفرص ونحن نختلف بين من
يحسن استغلالها ومن لا يحسن.
ودورها الثاني هو تقديم امتحانات او تكفير عن ذنوب
وهنا ايضا نختلف فهناك من يصبر ويصنع من الضعف قوة
وهناك من يدفن نفسه ويستسلم لقبضات الحزن والكآبة.
فاطمة الزهراء حمر العين، الجزائر

