سارة جلطي - دمعة أب

 

 

أحببت أن أخبرك أنني بخير ...بخير جدا، ولقد آلمني أنك لم تسأل ولا تسأل ولا تجيب ..

وها أنذا أبعث إليك بمرسولي المئة بعد الألف لكنك لا ترد! لازال ساعي البريد هنا يظن أنني مجنون...ربما نعم .... وربما لا ...من يدري؟ من منا لا يجن هنا؟ أربعة جدران تحبسني وجلادي ذكريات من الماضي، روتين قاتل جدا وحبل غليظ من الأشواق يشد رقبتي والحنين إلى الماضي اااه من الماضي البعيد ...

تغادرنا كل أسبوع روح لم تشخ بالزمن بل شاخت بالعقوق... تغادرنا أرواح كان أملها أن تجتمع بفلذات أكبادها الذين يأتون لتمثيل دور البكاء بعد رحيلها وما أكثرهم! وما أحمقهم! وما أكذبهم! ينظرون إلينا كأننا مجموعة المصطفين الذين أعطتهم الحياة فرصة أخرى بعدم الموت، كأن ما تبقى من حياتنا مزية وزعتها الأقدار علينا، ينظرون بعيون مملوءة بالدموع فارغة من المعنى، يحسبون أننا لا ندرك لكننا اكتفينا من التمثيليات والأوبرا التي تلعب في غير منصتها وبدون خجل!

أنت لا ترانا نجتمع وسط الحديقة في المساء.... مجموعة من المسنين الخرفين... منهم من حالفهم الحظ بالموت ومنهم من خالفهم ولازالوا ينتظرون تلك الراحة الأبدية من الشقاء الدائم.

ووسطهم والدك الذي لا ينفك عن ذكرك ولا ينفكون هم عن وصفه بالجنون. .... قد بلغ منه الشيب مبلغا وانحنى ظهره بشدة، ولازالت آلام ظهره تؤرقه

ما نفعه مرهم ولا مسكن لإخماد الألم بل لإخماد نار الشوق التي اتخذت فؤاده موطنا

ولا زلت أنتظرك كل يوم، في الصباح والمساء عند الباب وعبر النافذة، في الأعياد والمناسبات ويوم الجمعة ااه من يوم الجمعة أتأمل في خطبة تذكرني وتذكر حال أمثالي فيرق قلبك وقلب أمثالك

لكنني عبثا أتأمل والخميس نهاية كل أسبوعي دون جمعة

بجانبي مسن أصابه مرض الزهايمر، وبدأ نسيج ذكرياته يتآكل، وقف فجأة بدون تنبيه وقفة استعداد قائلا " نحن لسنا أكياس قمامة " وكله جد في جد، ترمقه نظرات الشفقة والضحك منهم من غالبه ضحكه فانفجر متهسترا من الطرفة التي وقعت أمامه، يظن الجميع أنه في غير وعيه يخبص بالكلام كالعادة

أحسبه كان في وعيه الكامل، يتحدث عن ابنه الذي تركه وراءه في لحظات تعود إليه الذاكرة فتزوره الجمل التي خانته سابقا ولم يقلها، أخشى أن يصيبني ما أصابه فأعجز عن كتابة المزيد....ربما ستقرأها يوما ما وتعلم ما حل بأبيك الذي أصبح يعز عليه ذكر كلمة "ولدي " ؛ ربما كنت لأكون أكثر نفعا مما كنت تعتقد، ربما كنت لتنال مني دعوة أو مسحة على الرأس، لا أعلم .... شيء ما يراه الأبناء في آباءهم حتى أبقوهم بقربهم لكنك لا تراه ولا أعلم ما هو لأقابلك به، لكنني أب حرم رائحة ابن أتمنى ألا يحرم رائحة الجنة

أتعلم ما تغير منذ سنين، أصبحت لا أرى جيدا ولا أسمع جيدا وتشبعني ساعة من النوم فقط

ربما قد أطعمتك هذه السنين بطفل يسألك أين جدي؟ أخبره أنه مات منذ زمن بعيد جدا وأصبح اليوم ترابا هامدا ينتظر البعث .... ثم أخبره أن البعث قد طال وأن التراب صار باردا جدا لا يقوى على الانتظار .... دمت سالما .... إلى الملتقى ...إلى يوم البعث


سارة جلطي، الجزائر


 


  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...