هذا طفل فلسطيني لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات، هو لا يفقه شيئا من هذه الحياة، فهو ينام ويستيقظ على أصوات المدافع
والبنادق، وكان كلما سأل أباه عن هذه الأشياء وعن الأجساد الممددة أمامه يجيبه
بأنها لعبة من ينتقل إلى جنان الخلد شهيدا أولا.
أعجب الطفل باللعبة كثيراً وكان متحمسا للعبها
فنهاه والده عنها، وأخبره بأنه لازال صغيرا وقال له أنها لعبة فجائية قد يأتي دوره
في أي لحظة وهو لا يعلم .
ها هو الطفل اليوم ابن التسع سنوات وقد فهم بعضا
من معاني هذه الحياة، ها هو جاثيا على ركبتيه والدموع على خديه ينظر لجثة والده
ويحدثه ويقول ها قد فهمت قانون اللعبة اليوم يا أبتي، ولكن لمَ لا تنجدنا أمتنا
العربية يا أبي؟ فمدارسنا تحرق وبيوتنا تدمر والأطفال بأي ذنب يقتلون؟ ماذا فعلوا؟
لمَ مجتمعنا العربي لا يكترث ولا يمد يد العون لنا؟
الآن فهمت كيف يتمت، كيف رحلت أمي وتركتني
صغيرا. الآن عرفت حقيقة اللون الأحمر، إنها شلالات دماء الأبرياء، الآن فهمت أشلاء
اللحم المتناثرة، إنها بقايا أهالي فلسطين الأعزاء .
أيها الكيان الصهيوني تستطيع قتلنا، تستطيع أن
تيتمنا ولكن لن تستطيع تغيير ما بقلوبنا أبداً، لن تنتزع حب فلسطين منا، لمَ
الفلسطيني يقتل؟ لمَ أخاه العربي لا ينجده؟ لمَ لا نحيا كالناس؟ لمَ تموت الأحلام
معنا؟ لمَ تنهب أراضينا وتداس كرامتنا؟ لمَ تكتم أنفاسنا ونحن في اللفة رضع؟ لمَ
نفنى ونموت بصمت؟ ألأننا فلسطينيون نموت؟
لكن مهما طال وسيطول الزمان، ستعود فلسطين لنا
فهي وطننا ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا .
فلو ماتت الطفولة ولو غابت الشمس ولو انشقت الأرض
فلسطين لنا دولتنا الأبية. نحن لن نركع أبداً أيها الظالم، لن نستسلم، نحن لا نخشى
الموت، نحن نقف شامخين مرحبين به، نحن شعب لا يهاب القصف لا يرعبه صوت البنادق لا
ترهبه القنابل .
مريم لقطي، تونس

