مازن الصادق الرضى - رحلة البحث عن المجهول

 

قَرَأْت مَرَّةً فِي كِتَابِ قَدِيم، مُتَهالِك الْأَوْرَاق، مغطى بِالْغُبَار، ومحاطا بالشباك، كتابٌ يَحْكِي عَنْ الْكَنْزِ الْمَجْهُول، الَّذِي يَقْبَع فِي تلك الْأَرْضِ الْمَجْهُولَة، كَنْزٌ يجعَل مِنْ صَاحِبِهِ أُسْطورَة

كُنْت آنذاك فِي حَالِ يُرْثَى لَها، قَد وطأت عَلِيّ الْحَيَاة بِكُلِّ مَا تَمْلِك، لَم تعتريها قَط شَفَقَة لحالي، وَلَا رَأْفَة لِمَا يؤولُ إلَيْهِ مآلي، بَل وَحَتَّى لَم تَكْتَرِث لبؤسي وشقائي، كَانَت كُلُّ أَيَّامِي عَادِيَة، كلٌّ مِنْهَا مملة رتيبة، كَانَ أَكْثَرَ مَا يفجر بَراكِين الْغَضَب دَاخِلِي هُو رَنِين الْمُنَبَّه، الَّذِي ينبئ بِقُدُوم يَوْمٍ آخَرَ مُمْل رَتِيب، يجر معه خيباتي المتتالية، وآهاتي العديدة

أَرَدْت مُنْذ الطُّفُولَة أَنْ أَجْعَلَ منْ نَفْسِي أُسْطورَة، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ إنْ أَوجد بطولات يَفْخَر بِهَا أحفادي

لِكُلّ هَذِه الدوافع وَغَيْرِهَا قَرَّرْت السَّعْي خَلْف ذَلِكَ الْكَنْز، وَعَزَمْتُ عَلَى الْمُضِيِّ قدما لِلظَّفَر بِه

ضحيت بِكُلّ شيء

بِعْت مَنْزِلِي، اسْتَقَلَّت مِن وَظِيفَتي، قُطعت جلّ علاقاتي، أُطلقت أُمِّي بَعْض الصرخات، ذَرَفَت بَعْض الدّمُوع، ابْنَتِي تَعَلَّقَت بِأَطْرَاف ثِيَابِي لَامس صَوتها الرَّقِيق إذْنِي أَوْ فلأقل قِشْرِه قَلْبِي، بَكَت زَوْجَتِي عَل دُمُوعُهَا تَكُون سببا فِي لِين قَلْبِي

لَم اعر كُلُّ هَذَا اهتماما، فللأسف، كَانَ قَدْ تلبسني شَبَح الطُّمُوح وتملكني شَيْطَانٌ السَّعْي خَلْف الْأَحْلَام، كُنْتُ مِثْلَ الَّذِي يَرْكُضُ فِي نَفَق مُظْلِمٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ

تغافلت عَنْ كُلِّ التوسلات الَّتِي تَطْالُبُنِي بِالْعُدُول، وَضرِبت بِعَرْض الْحَائِط كُلّ التّرجيات الَّتِي تناشدني بالمكوث

شَدَدْت الرِّحَال، وَبَتّ أَتُنْقَل يَوْما فَآخر

شَهْر فَالذي يَلِيهِ

عَام وعامان فَسِتَّةٌ أَعْوَام

شَاهَدْت مُخْتَلَفٌ الْبَشَر بَل وَمُخْتَلَفَ الحضارات عَبَّرَت المحيطات وقطعت الفلوات    

وَصَلَت أخيرا لِتِلْك الْجَزِيرَة الَّتِي تَقْبَع فِي عُمْقِ الْعَالِم بَحَثْ وَبَحَثْت

ثُمّ وَأَخِيرا

وُجِدَت صُنْدُوق الْكَنْز، فُتحت الصُّنْدُوق

مَا هذا؟

أَيْن الْكَنْز؟؟ . . . لِمَاذَا هُو فَارِغ؟؟

جُنّ جُنُونِي وَبَدَأَت العفاريت تَلْعَب بِرَأْسِي 

هَل ضحيت بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ لِأَجْل صُنْدُوق فَارِغ؟؟

هَل ركضت وَرَكَضَت مِنْ أَجْلِ اللاشيء

هَلْ كُنْت أَسْعَى خَلْف السَّرَاب؟؟

لَكِن الْمَاء الَّذِي صُب عَلَى جُمام غَضَبِي وحنقي، كَانَتْ تِلْكَ الْوَرَقَة الَّتِي تَحْتَلّ ركنا مِنْ الصُّنْدُوقِ

ظَنَنْتُ أَنَّهَا الْخَرِيطَة الْأُخْرَى كَمَا هُوَ شَائِعٌ فِي الحِكَايَات

خَاب ظَنِّي وَتَلاَشَت أَمَالِي عِنْدَمَا أَدْرَكْت أنها مُجَرَّدٌ رِسَالَة نَصُّهَا كَان جديرا بِالِاهْتِمَام

"الكنز الْحَقِيقِيَّ هُوَ عِنْدَمَا تَجِد روحا تَحَبَّك وَتَفْعَل الْمُسْتَحِيل لِأَجْلِك، الْكَنْز الْحَقِيقِيَّ هُوَ عِنْدَمَا تَجِد روحا تفهمك حقا وتقدرك، الْكَنْز الْحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْ تَجِدَ روحا تَمر خِلَال رُوحَك تَحَسَّس مَوَاضِع الضَّعْف فتقويها، ومواضع الْجراح فتداويها، وَمَوَاضِع الْأَلَم وَالْخِذْلَان فتعانقها قبل أن تربت  عَلَيْهَا، الْكَنْز الْحَقِيقِيّ عِنْدَمَا تَجِد روحا تُسْكَب عَلَيْك حَبُّهَا فَتَضَع حَدًّا َ لمعاركك وتلملم شَتَات قَلْبِك المبعثر وَتُجْمَع قَطَعَه الْمُتَنَاثِرَة

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتْعَةَ الحقيقية لا تَكْمُن فِي تَحْقِيقِ حلمك بِقَدْرِ مَا تَكْمُن فِي تِلْكَ الْخُطَى الْمُضِيئَة الَّتِي تصْنَعُ دربا مِنْ النُّورِ يوصلك لحلمك"

 

 مازن الصادق الرضى، السودان



 

  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...