مازن الصادق الرضى - حرب بلا راء

 

اسْتَيْقَظت ذَات صَبَاح، غسِلت وَجْهِي وَأَدَّيْت الصَّلَاة، حَمَلت هاتِفِي واتَّصَلت بِهَا، تَذَكَّرْت مَا كُنْت عَلَيْهِ، تَذَكَّرْت حَيَاتِي الَّتِي كَانَتْ جحيما لَا يُطَاق، تَذَكَّرْت حِين كُنْت اقبع فِي الظُّلُمَاتِ، تَذَكَّرْت حِين كُنْت أَسْكَن الْمُسْتَنْقَعات، تَذَكَّرْت حِين كُنْت عِبَارَة عَنْ بَقَايَا رَفَات، حِين كُنْت جسدا بِلَا رُوحٍ لَا أَرْضَى مِنْ الْعَيْشِ إلَّا الْفُتَات، حِين كُنْت مِنْ الْحُثَالَة الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ طَرِيق الظُّلُمَات

بَعْدَ أَنْ التقيتها انْقَلَبَت حَيَاتِي -أو مِنْ الْأَصَحِّ أَنَّ أَقُولَ اعْتَدَلَت -أَخْرَجتنِي مِنْ وَحل الظَّلَام وارتني طَرِيق النُّور، ارتني الْجَانِب الْمَشْرِق وَالْجُزْء المضيء لِهَذِه الْحَيَاة، وَاَلَّتِي كُنْت أَظُنُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا ظلاما فِي ظَلَامٍ، أَخْرَجْتَنِي مِن الكابوس الَّذِي كُنْت أَسِيرَه لِأَكْثَرَ مِنْ عَشْر سَنَوَاتٍ لتوقظني عَلَى أَلْحَان طلتها وَجَمَال ابهتها ودفئ اِبْتِسامَتَها

قَطَعَ عَلَى أفكاري صَوْت الْمُجِيب الآلِيّ ينبئني أَنَّهَا لَا تَسْتَجِيب

لَم اعر الْأَمْر اهتماما وَوَضَعَت لَهَا أَلْف عُذْرٍ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ مَعِي دائما

سَمِعْتُ فِي النَّشْرَة الصَّبَاحِيَّة أَنَّه بِالْأَمْسِ كَانَ قَصْف بِالْقُرْبِ مِنْ منطقتها، وعندها بَدَأ شَبَح الرُّعْب يتملكني وَشَيْطَانٌ الْخَوْف يتلبسني

ركضت عَبر الأزقة والطرقات، حافِيَ القَدَمَيْنِ، سَقَطت مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَكِنِّي لَمْ أَبَه بسقطاتي وعثراتي، وَكُلِّيّ أَمَلِ أَنْ تُخَيِّبَ ظنوني وتتلاشى توقعاتي

كُنْت أَمَل أَنْ افاجأ بابتسامتها الدافئة وَهِيَ تَقُولُ لِي مَا الَّذِي أَتَى بِك إلَى هُنَا؟

مَا بَالُك فِي حَالِ يُرْثَى لَها؟

لَكِن صَدَقْت ظنوني وأصابت توقعاتي فَقَد أُصِيبَت برصاصة غَادرَة فِي الْقِطْعَةِ الَّتِي تَسْتَقِرّ يَسَار صَدْرِهَا، فَارَقَت الْحَيَاة مُخَلَّفَةٌ وَرَائها قلبا محطما، وروحا هشة، غادرت آخذة مَعَهَا مُسْتَقْبِلِي واحلامي، غادرت بِقَلْبِي، غادرت تَارِكة إياي بِلَا قَلْب بِلَا مَشَاعِر، بِلَا رُوحٍ

رَصَاصَة غَادرَة كَانَت كَفِيلِة بتشويه الْعَالم أَجْمَع فِي نَظَرِي، رَصَاصَة غَادرَة كَانَتْ كَافِيَة لنقلي إلَى أَسْفَلِ دَرَكَات الْجَحِيم

بَكَيْت وَبَكَيْت وَبَكَيت

أَصْبَحت جَمِيع الْأَشْيَاءِ مِنْ حَوْلِي بِلَا لَوْن، رؤيتي بَدَأَت تُصْبِح ضَبابِيَّة، يَلْتَفّ الظَّلَام حَوْلِي شيئا فشيئا حَتَّى أَصْبَحْت غَيْر قَادِر عَلَى الرُّؤْيَةِ

جَلَسْتُ عِنْدَ قَبْرِهَا أَتَذْكُر كُلّ تِلْك الْمَوَاقِفُ الَّتِي جَمَعْتَنَا، لَمْ أعُدْ قادرا عَلَى الْبُكَاءِ

لُعنت الْحَرْب، ثُمَّ قُلْتُ لِنَفْسِي: مَاذَا لَوْ حَذفت الرَّاء لتستحيل الْحَرْب حبا؟ مَاذَا لَو بَذَلْنَا كُلّ جهودنا وكثفنا جَمِيع طاقاتنا لانتزاع الرَّاءَ مِنْ رَحِم الْحَرْب لتنجب لَنَا الْمَوَدَّة وَالْحب؟

الْحَرْب لا تجلب لَنَا غَيْرَ الدَّمَار

وَلَا تُخَلِّفْ غَيْرَ الْخَرَاب

إذَا اِخْتَرَقَت رَصَاصَة قَلْب أَحَد مِنْ الْبَشَرِ فَإِنَّهَا لَا تَقْتُلْهُ وَحْدَهُ بَلْ تُقْتَل مَع قَلْبِه كُلّ الْقُلُوبُ الَّتِي تَعَلَّقَتْ وارتبطت بِه

كَان قُرْبِي أَحَدٌ يَبْدو أَنَّهُ يَحْمِلُ مذياعا، وَأَعْلَنْت الإذاعات الرَّسْمِيَّة أَنَّنَا انتصرنا أَخِيرًا َ فِي هَذِهِ الْحَرْب

هَلْ كُنْت ستصدقني إنْ قُلْت لَك أَنْ هَذَا الْخَبَرِ مَا فَعَلَ غَيْرِ أَنَّهُ قَدْ زَادَنِي غُصَّة على غُصَّتِي، زَادَنِي الما على أَلَمِي

هَل سيعيد النَّصْر ولدا إلَى وَالِدَيْهِ؟

أَم أَنَّه سيعيد زوجاَ لِزَوْجَتِه؟

أَم سيعيد اباَ لأبنائه؟

هَل النَّصْر سيعيدها إلَيّ؟

هَل سيصبح النَّصْر زوجا لِكُلّ أَرْمَلَة فُقِدَت حَبُّهَا؟

أَم أَنَّه سيصبح فِلْذَة كَبِد لِكُلّ أَم فُقِدَت ابْنِهَا؟

هَل سيعيد النَّصْر إلَيّ اِبْتِسامَتَها؟

أَنَّا لَا أَدْعُو إلَى الْجُبْن والتخاذل بَل أَدْعُو لنبذ الْحَرْب وَعَدَم الِاعْتِدَاء

نَهَضْت مَنْ عَلَى قَبْرِهَا لأذهب قَبْلَ أَنْ أَشْعُرُ أَنَّ يدا دافئة تَرِبَت عَلَى كَتِفَيْ اسْتَدَرْت لأراها مِنْ جَدِيد، رَأَيْت اِبْتِسامَتَها الَّتِي جعلت الْحَيَاة تَعُود إلَيَّ مِنْ جَدِيد، ضممتها إلَيّ، تَمَسَّكَت بِهَا كَطِفْل يَتَمَسَّك بِيَدِ أُمِّهِ حَتَّى لَا يَضِيعَ

مدَّت إلَى يَدِهَا لَأصافحها فَحَلَقْت بِي فِي الْفَضَاءِ الْفَسِيح

رَأَيْت مِيَاه جَارِيَة زَرْقَاء وحدائق غِنَاء وسهولا مُنْبَسِطَة خَضْرَاء

رَأَيْت جَمَال الطَّبِيعَة فِي أَبْهَى صُورَة وَأَجْمَل هَيْئَة

قَالَتْ لِي: هَكَذَا كَانَ سَيَكُون الْعَالِم لَوْ انّنَا قمنا باستئصال الراء


مازن الصادق الرضى، السودان



  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...