كان أبتي رجلا صبورا جدا هادئا جدا، يحب أن
يناديه الناس أبا بتول ولا يخجل من ذكر اسمي على الألسنة، فخورا جدا بنا
"بتول، حفصة وكوثر" ولا يزعجه أن يكنّيه أحد يا أبا البنات
يقول أبي أننا بساط الرحمة والجنة والبركة، هو
لا يعلم أنه البساط والغطاء والسند
كان يضع في جيبه صورة تجمعنا به ولا يمانع إن
رآها أحدهم يخبره في فخر "بناتي ".... "هن بناتي
"
يشير بإصبع يده التي غطّاها قشور وملمس خشن
جراء العمل المضني والمتعب، يشير إلى الصورة "هؤلاء المؤنسات الغاليات "
... ثم ينادي "بتول يا بتول أين دوائي يا بتول "
" آت
يا أبي في الحال "
"الله
ينور دربك يا ابنتي و يفرج همك، ربي يفتح لك طريق الخير "
كانت دعواته تنهمر لتعبد الطريق وتفرج الهم وتؤنس
الروح ...
تضحيات كنا ندرك تمام الإدراك أنها جسيمة جدا
أمازحه وأنا أعطيه كأس الماء ليشرب دواءه
"هرمت
يا أبا بتول "
يقهقه ضاحكا ثم يرد "هرمنا يا ابنتي
"
عمري خمس وعشرون سنة، تصغرني حفصة بسنتين وبعدنا
كوثر بتسع سنوات توفيت أمي عند إنجابها، درست في متوسطة الحي ولم أكمل دراسة
الثانوية فتعلمت شيئا من التطريز أصنعه من حين لآخر، يقول أبتي" لا تبقي
خاوية الوفاض يا ابنتي وأن تشغلي وقتك بالعمل لأفضل من أن تشغليه بالمعصية والعمل
طاعة يا ابنتي "
لم يكن أبتي متعلما ولا دارسا لكنه كان عارفا
بأمور الدنيا ومدركا للحياة، كنت أضع له سبورة صغيرة أعلمه فيها الحروف ليستطيع
حمل المصحف وقراءته
أرسم له حرف الجيم بخط واضح حتى يتمكن من رؤيته
"هذه جيم يا أبتي "
"جيم
" نعم "جيم " مثل "جنة "، "جهنم"
"الله
يبعدها علينا يا بتول " غيري المثال يا ابنتي غيريه
أمازحه " ما بك يا أبا البتول " أراك
ترتجف خوفا ووجهك مصفر "
يجيبني أبتي في حسرة " ومال عبد مثلي لا
يخاف النار يا ابنتي "
"لكن
هناك جنة يا أبتي، هناك جنان، هناك حج يا أبتي "حج"
"ان
شاء الله ... ان شاء الله .... الله يقدرنا يا رب "
كان لا ينفك عن الدعاء والرضا وسعة الخاطر، لم
يكن متطلبا ولا عصبيا ولا ينزعج إن أحرقت طبخة أو تأخرت في تحضير العشاء
كان مسالما جدا، أكثر من اللازم
وهذا ما جعل ربما أختي كوثر -التي تمر بمرحلة
المراهقة حاليا -غريبة الطباع مؤخرا، ولقد لاحظت تغير طباعها الذي لم يعط له أبي
بالا
"كوثر
"..... "يا كوثر "
"نعم
يا أختاه "، ألا تمتلكين واجبات لتحليها يا أختي بدل التحديق في السقف وسماع
عبد الحليم
تنظر إلي لكنها لا تنظر .... سارحة جدا
أصرخ بقوة "كوثر "، " ألا
تسمعيني يا كوثر؟"
تنظر إلي ببلاهة: لا، ليس لدي واجبات
"
"هذه
الفتاة...تريد أن تجلطني هذه البنت، ستجننني" ......
اعتاد أبتي أن يعود عند الثانية زوالا لكنه لم
يعد ذلك اليوم، ولا أخفي أنه انتابني قلق لما هي عليه حالته الصحية، ذهبت لأراقب
عند النافذة علني أستطلع عنه خبرا أو أراه
كان الحي فارغا فبقيت في مكاني أتحسس خبرا
ثم رأيته آتيا يمشي بصعوبة شديدة حتى سقط جاثيا
على قدميه ...صرخت بقوة، فتحت الباب وخرجت حافية القدمين عارية الشعر
ذهبت إلى أبتي فوجدته ملقا على الأرض مغمض العينين .... وجلست بجانبه أرثيه ولا أعلم أين أضع يدي ورجلي أو ماذا أفعل ...
سارة جلطي، الجزائر

