مازن الصادق الرضى - آخر ما حدث

 

صمت مطبق على الأرجاء، أعين تنظر نحو الفراغ تنتظر المجهول، وأخرى ترتقبُ بأملٍ ممزوجٍ بخوف، وأخرى قد قَنَطت وتملكها اليأس. تلك الرائحة المميزة تنتشر في المكان وكأنما شبح الموت يملك عطرا مميزا. تلك الطفلة التي تحتضن نفسها لتوقف من ارتجافها لكن جل محاولاتها بائت بالفشل، ترتدي تلك الكنزة الصوفية البيضاءَ التي خاطتها لها جدتها، لتخبئَ كفيها بين أكوام كنزتها الطويلة.

 تنتظر جدتها لتخرجَ من غرفة العمليات لتحتضنها وتربت على كتفها كالعادة، تجلس في ركن المستشفى تحاول كتم صرخاتها. لكن الأنين الناتج عن ذلك كان أكثر فظاعةً ورعبا، الكل يرتقب، اللحظات تمر ببطء، الثواني استحالت ساعات طويلةٍ في نهار حار قبل أن يخرج الطبيب.

 مطبقا شفتيه بقوة، ويومئَ برأسه إلى الجانبين معلنا بأنه لا فائدة أعلن الطبيب وفاتها. اللحظات تمر ببطء، كلٌ من الحاضرين يحاول إقناع نفسه بأنها ليست الحقيقة، كلٌ منهم يحاولُ ابصار ذلك الخيط الرفيع الذي سيتمسكون به، هذه مزحة أليس كذلك أيها الطبيب؟ ... لا، قلبها ما زال ينبض! ... لقد كانت تتحدث معنا قبل قليل، لقد أنهت وجبتها التي أعدتها لها، كانت تضحك معنا. لقد كان وجهها مشرقا كما لم يشرق من قبل، هذه هي ترجمة المحاولات الفاشلة للخروج من دوامة الواقع، هكذا نحن حين ندفع للهاوية. نحاول التمسك بأي شيء مهما كان، حتى وإن كان غبيا، حتى وإن كان وهميا، حتى وإن كان خياليا.

 بعد أن ندرك أننا في الواقع، حين ندرك أننا لن نستيقظ حتى وإن فعلنا المستحيل، نحاول استيعاب الصدمة. طفلة في ركن المستشفى تئن، امرأة تصرخ، وأخرى لا زالت آثار الصدمة على محياها، تلك الطفلة الصغيرة لم تكن تعلم ما الذي يحدث، تكرر في نفسها ألّا علاقة لها بكل هذه الضجة، تريد فقط أن تحتضنها جدتها. تكرر باستمرار في ذهنها أن الباب سيفتح وتأتي جدتها لاحتضانها، كنت أريد أن أقول أنّ طيف جدتها أتى واحتضنها قبل أن يبتسم ابتسامة دافئة ويطبع قبلة على خدها، لكن وللأسف لا وجود للأطياف في هذا الواقع القاسي.

يقبل الابن الأكبر لتحتضنه اخته كأنما هو والدتها التي توفيت، تحاول أن تخبئه بين ضلوعها وتشم رائحته، تبكي بحرقة على صدره، تطالبه بأن يعيد والدتها، تطالبه بالمستحيل، تريد أن تختزله في قطعة لتضمه إلى قلبها لعله يسد الفجوة التي خلفها هذا الفقد. تأتي ابنتها التي كانت في بلاد المهجر وكلها غصة لأنها لم تودع أمها، ندمت على كل لحظة قضتها بعيدا عن حجرها، بكت سنينها الضائعة، بكت كأن لم تبك من قبل، فقدت سر سعادتها، وفقدت الكتف التي كانت تبكي عليه كلما اشتدت عليها الصعاب، فقدت تلك الروح التي سافرت وعانت لإسعادها لعلها ترد جزءا من حقها عليها.

 تلك الروح الطاهرة صعدت إلى السماء مخلفة قلوبا محطمة وأفئدة ممزقة. لا زالت تلك الطفلة تئن، تنتظر شخصا ما ليخبرها أن جدتها لم تغادر، لم ترحل، لكن كل الإجابات تخبرها أن جدتها سافرت إلى مكان بعيد، سافرت إلى مكان أفضل. لماذا لم تأخذني معها؟ لماذا لم تودعني؟ لقد وعدتني أن تروي لي حكاية الفارس والأمير؟ لماذا لم تفِ بوعدها؟ تلك كانت أسئلة الطفلة قبل أن تنفجر بالصراخ والبكاء

في تلك البقعة الطاهرة يتجمع رجال بجلاليب بيضاء، يرفعون أكفهم إلى السماء، يشفعون فيها إلى الله، يرجون أن يسكنها ربها جناته مع الأنبياء والأولياء، قبل أن ينزلوها بكفنها الأبيض الذي يظنون انه رمز السلام بينما هو في الحقيقة رمز الموت، ويواروا جسدها بالتراب. الأصوات تهدأ شيئا فشيئا، صوت الأقدام يختفي رويدا رويدا، ظلام يحيط بها، ثم ملائكة يسألونها، ثم إلى جحيم أبدى، أو نعيم سرمدي. هذا هو الشيء الذي يتساوى فيه كل البشر، هذا هو الشبح الذي مهما تجاهلناه فإنه آت، هذا هو الموت.

 

مازن الصادق الرضى، السودان



 

  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...