مريم لقطي - عثرات واقع أسود "الجزء الأول"

 بينما كنت أسير في طريق لا أعلم منتهاه، حيث كانت الأزهار منتشرة في كل مكان ورائحة الورود تعبق بالعطر معطرة الأجواء، وحيث الأشجار المثمرة والعشب الأخضر، استوقفتني صورتي المنعكسة في بركة مياه أمامي فجلست قربها أتأمل سكون المياه بصمت. كان أول ما لاحظت هو الحزن الذي يكسو عيناي، ولم يكن حزنا عاديا بل كان يحمل في طياته حكايات أولها وأكثرها مأساة حرية المرأة وما آلت إليه من تفسيرات، فالمرأة تجردت من ملابسها وغالت في المغالطات وكل ما جال بخاطرها أنها قد صارت حرة فسلكت طريق الرياء وقلة الحياء ولا داعي لذكر أشياء أخرى مخجلة أكثر .

عفوا عزيزتي دعيني أخبرك بأن الحرية تعني الانعتاق من قيود الحياة ليس التجرد من الملابس، الحرية تعني التحرر والمشاركة في ميادين الحياة من سياسة، ثقافة وغيرهما من مجالات، تعني التعبير عن الآراء والمساهمة في تغيير الواقع للأفضل.

تعمقت في النظر أكثر إلى صورتي فلم ألحظ سوى تلك الدمعتين اللتين كانتا على خدي منهمرتين وبينما مددت يداي لأمسحهما إذ بعجوز خلفي على ما أعتقد أنه كان يراقبني منذ البداية، وها هو يهمس لي ببعض الهمسات: الواقع مر وتقبله أمرّ بكثير يا ابنتي فمجتمعنا مجتمع الخذلان.

سألته شاردة الذهن: وإلى أين المآل إذا؟ فها نحن ذا نهوي ولا منجد لنا، ها هي أمتنا العربية تغرق ولا منقذ لها، وقبل أن يجيبني العجوز دوت بالقرب منا صرخات لطفل صغير على ما أظن عمره لم يتجاوز السبع سنوات فسرنا نحوه نستفسر عن سبب البكاء.

عندما وصلنا رأينا رجل ممسك بالطفل من معطفه ومنهال عليه بالصفعات فصرخت في وجهه: توقف يا عديم الإحساس، كيف استطاعت يداك أن تمتد على صغير لم يتجاوز عمره السبع سنوات؟

فصاح في وجهي: وما دخلك أنت به؟ إنه يتيم يعمل لدي.

فقال العجوز: وماذا فعل كي تضربه!؟.

فأجاب في امتعاض: لقد كسر كأسا.

فرددت عليه باستهزاء: أمن أجل كأس تضرب يتيما بدل احتضانه ومساعدته على تجاوز صعوبات الحياة؟

وبعد مجادلات عدة بيننا دفعنا للرجل ثمن الكأس وانطلقنا في رحلتنا وتجول بخاطرنا عدة أفكار، وأول من بادر بالحديث كان العجوز: هكذا إذا في مجتمعنا يعيش أصحاب الطبقة المترفة في رفاهية وسعادة ويعيش الفقراء تحت وطأة الفقد والمعاناة.

صمت لدقائق ثم أردفت: اللعنة على طبقة عانى فيها فقرائها من أجل أن يتمتع أغنياءها بالأمان.

سرنا في شوارع المدينة الخالية من السكان في المساء ولا أحد منا يعلم الحالة التي نحن عليها فبت أتساءل أهذا حزن غاضب أم أنه غضب حزين؟ وأين الأمل؟ أظنه مختبئ يراقبنا من بعيد .

بعد مرور بعض الوقت من السير أمسك الطفل بيدي يسألني: أنا ليس لدي مكان أذهب إليه. فقال العجوز كذلك: أنا من دار المسنين يا ولدي ولا أستطيع أخذك معي .

نظرت للعجوز وقد عدت للبكاء وأنا أسأله: أليس لك أبناء؟ عفوا ما اسمك؟ آسفة فلم أعرفه حتى الآن.

فرد: اسمي تيمور يا ابنتي، ولي أربعة أبناء بعد زواجهم أرادوا مني توزيع الميراث بينهم ففعلت وكتبت بيتي باسم ولدي الأكبر فطردني ولم يرأف بي وبحالي فبت أتنقل بين أولادي الثلاثة فلم يعجبهم الأمر فأرسلوني لدار العجزة.

فقلت: لا جدوى من الاحتماء بمظلة الخيال فالواقع أسود يا عم تيمور، فاليوم حتى الأبناء صاروا قساة تجردت الرحمة من قلوبهم وغزتها الأشواك.

العجوز تيمور: منذ أن صار أبنائي أغنياء وانتموا لطبقة الأثرياء لم أعد موجودا بالنسبة لهم فلم أعد حتى بوالدهم.

رددت على قوله عبودية المال يا عمي أنستهم معنى الحياة ولما هم على قيدها، أغرتهم الدنيا فنسوا الآخرة، وأخذتهم الأيام في دوامة الحياة وكأنهم أوراق أشجار تتطاير في عين عواصف الخريف في مهب الريح فبنوا القصور وتناسوا القبور، أحبوا الرذائل وتخلوا عن الفضائل، وهكذا صار المال حبهم وعبوديتهم فتخلوا عن الآخرة وغاصوا في الدنيا متناسين بأنهم في أية لحظة، وبمشيئة رب العباد قد يقعون بلا حراك.

وعند وصولنا لدار العجزة ودعت العم محمود وتواعدنا بلقاء آخر قرب البركة في الغد .

أخذت الطفل معي لمنزلي وبقلبي خوف من نظرة أسرتي له، عند وصولي طرقت الباب ففتحت لي أختي متسائلة عن سبب تأخري وبمجرد رؤيتها للطفل حتى هاجمتني بالأسئلة، من هذا الطفل؟ ابن من؟ ولمَ أحضرته ؟

أجبتها باقتضاب: لا مأوى له، طرد من عمله وأثناء حديثي لم ألحظ وقوف أبي خلفي والذي صاح بي: وهل أصبح بيتي ملجأ أيتام؟

فقلت: لليلة واحدة وغدا سآخذه للملجأ .

تركت عائلتي في صراع مع بعضها حول فعلتي وأخذت الطفل لغرفتي وقمت بتجفيف دموعه بكمي معطفي وأحضرت له طعاما فأكل ثم نام، وبعد ذلك وكالعادة والمعتاد أخذت دفتري ورحت أدون خاطرتي التي جالت ببالي: أيفقد القلب لذته بعد أن تدوي صرخته؟ أتغيب وتنتفي الأنوار لتغتنم الفرصة دياجير الظلام وتفتك بقلب الإنسان؟ أيهرب الأمل ويختفي مستلقيا بعيدا على ضفة نهر يراقبنا من بعيد؟ أنلجأ إليه أم نخون العهد ونتهاوى أرضا لا مدركين واقعنا؟ طريقك طويل أيها الإنسان ووحدك من تمتلك الخيار، إما طريق الأمل والنور أو الدخول في متاهة دياجير الظلام.  أنهيت الخاطرة وخلدت للنوم مترقبة الغد وما سيحمله في جوفه من تغييرات.

مريم لقطي، تونس


  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...