مريم لقطي - عثرات واقع أسود "الجزء الثاني"

 

في صباح اليوم الموالي أخذت الصغير وانطلقنا حيث التقيت العجوز أول مرة قرب البركة، وفي الطريق اشتريت للطفل الذي يدعى آدم بعض الحلوى، عند وصولنا وجدنا العجوز ينتظرنا فجلست مبتسمة وسألته: كيف حالك يا عم تيمور؟ فأجابني بخير يا ابنتي، إذا ما موضوعنا اليوم؟

أجبته: فلسطين أحب الأوطان إلي.

رد باسما: منذ أن رأيتك لاحظت نظرة الحزن التي تكسو ملامحك تجاه فلسطين

فقلت وفعلا قد عاد الحزن وكسى ملامحي: أتعلم بأن فلسطين تحتضر والعالم غير مكترث؟ تحديدا عالمنا العربي .

فرد: ألم أخبرك أمسا بأنه عالم الخذلان يا ابنتي؟

فأجبته: بلى، وخلال سنوات ترامب الأربع في الحكم حقق الاحتلال الإسرائيلي 16 مكسبا سياسيا كبيرا على حساب العرب والفلسطينيون، من أهمها الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال، إضافة إلى وقف استخدام مصطلح الأراضي المحتلة في إشارة للضفة وغزة مع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة.

فأكمل العم تيمور: ولقد تم قطع المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية وحجب المساعدات المالية عن الأونروا.

فأضفت أنا: إن الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب بل لقد تم كذلك وقف المساعدات للمستشفيات الفلسطينية بالقدس وإغلاق مكتب تمثيل منظمة التحرير بواشنطن. وبينما صمتّ أنا قليلا إذ بآدم يتكلم: والأدهى والأمر من ذلك إلغاء القنصلية الأمريكية بالقدس والاعتراف بسيادة الاحتلال على مرتفعات الجولان بالإضافة إلى وقف اعتبار المستوطنات غير قانونية .

أثناء حديث آدم كنت أنا والعم تيمور مندهشين، فكيف لطفل بعمره معرفة كل هذه الأمور، لاحظ الطفل شرودنا وكأنه قد تنبأ بسؤالنا فقال: أنا فلسطيني لاجئ قتل والداي جراء القصف وفي كل مرة يقودني القدر إلى مكان ولكم أبغض الكيان الصهيوني وألعن الاحتلال.

قلت له: لازلت صغيرا على تقبل هذه الحقائق المرة كإعلان صفقة القرن وإطلاق عمليات التطبيع، لازلت صغيرا وشاهدت خيانة الأمة العربية لفلسطين .

أردف العم تيمور: آه يا بني أنا خانني أبنائي وأنت خذلك أبناء مجتمعك العربي واستبداد الأعداء فلقد تم وضع وسم صنع في إسرائيل على بضائع المستوطنات وتم تسجيل المواليد الأمريكيين في القدس على أنهم ولدوا في إسرائيل .

تناقشنا في عدة مسائل أخرى وعندما حل المساء قلت في يأس: آسفة يا آدم فسآخذك لملجأ الأيتام. فقال مداعبا: لا عليك، لكن يجب أن تزوريني دائما. فوعدته بذلك وانطلقنا في المسير وكالعادة مررنا بدار العجزة وودعنا العم تيمور ثم اتجهنا للملجأ في طريق أخبرني آدم: أتعلمين بأنه هناك عدد كبير من المواطنين الفلسطينيين ينتحرون جراء المعاناة؟

فأجبته: أتعلم؟ لقد قال محمد طارق مقولة راقت لي كثيرا وهي: ربما سيقبع في الجحيم أولئك الذين فضلوا الموت عمدا عن الحياة. لكن بالتأكيد سيقبعون على نفس الرقعة التي سيقبع فيها أولئك الذين تسببوا في انتحارهم .

أوصلت آدم للملجأ وعدت أجر أذيال الخيبة خلفي، فكم يؤلمني الكتمان جراء التراكمات المختبئة بجوفه .

عند وصولي للمنزل أخرجت المفاتيح من جيبي وفتحت الباب علما بأني لأول مرة أحمل معي مفاتيح البيت تجنبا لمشاحنات الشجار مع أسرتي جراء فعلتي.

دخلت وألقيت التحية عليهم ومن ثم اتخذت مقعدا بينهم في الصالة ويا له من تفكك أسري بت أشاهده يومياً .

فأختي لم ترفع نظرها من على الهاتف وأخي منغمس في الألعاب على حاسوبه، أما أبي وأمي فلم يرفعا نظرهما من على التلفاز، غاب الحوار بيننا وأخذنا الإشارة طريقا للتعامل في ما بيننا، أصبح تواصلنا معدوما وتعاملنا سطحيا، لم نعد نسهر ونتسامر في الحديقة تحت ضوء القمر فلكم أصبحنا خبيرين في تصميم اللحظة وأكثر ما يحزنني هو تعاملنا المادي. لم تعد أمي حنونة كسابق عهدها وأبي غاب الأمان بانشغاله عنا، أما إخوتي فحتى الشجار اليومي بيننا انقطع .

نحن أثناء أيام حياتنا ننسى الأشياء الأساسية في الحياة فنعيش من أجل المال والعظمة وفجأة نصحو وقد انهارت قوانا وهاجمتنا الأمراض وخيبات الأمل  .

تركت أفراد عائلتي منغمسين فيما كانوا يفعلونه حتى أنهم لم يلحظوا غيابي وذهابي لغرفتي .

فتحت النافذة وظللت أراقب النجوم في السماء والبدر الذي يزيدهم جمالا حتماً، تذكرت كلام أسرتي المؤلم لي، فكثيرا ما ينعتونني بمرض التوحد لأني أعشق الوحدة، صحيح بأني أجلس بمفردي لكنني لم أشعر بالوحدة قط فأنا دائما أكتب وأقرأ الكتب، أستمتع كثيرا بذلك، إن الكتابة والمطالعة قطعة من روحي وبضعة مني


مريم لقطي، تونس 

الرجوع الى الجزء الأول

الانتقال الى الجزء الثالث



  1. التدوينة التالية
  2. التدوينة السابقة
    تعليقات الموقع
    تعليقات فيسبوك
جارى التحميل ...