لم أجد ما أخبرك به
غير أنني صرت بعدك رمادا، رمادا يحركه نسيم عليل فقط.... رمادا يدوسه الناس
بأقدامهم، رمادا لا يصلح لأن يكون نارا ولا يصلح لأن يكون ثلجا يطفئ حرارة الشوق
تتطلع إلى المرآة و
توجه هذا الكلام الى نفسها لعل بينها وبين زياد رابطا ايحائيا يصل إليه... الى ابنها
الذي تفصله عنها بضعة أمتار وبيتان ..... بجانبها زوجها أحمد لا يقوى على طبطبة
جرح آلمهما معا، هذا ابنه وهذه زوجته وتلك أمه... أمه.... أيعقل أن يعق الإنسان أمه؟
تقاطع تفكيره زوجته كأنها علمت بما يقول في داخله، تقول بصوت مؤنّب خافت بحّ من
كثرة البكاء والصراخ " كان عليك أن تعقها..... كان عليك أن تعقها وألا تحرمني
من ابني"
"اللعنة على زوج مثلك، على أب مثلك، على عائلة مثلكم"
لم يرد أحمد بكلمة
واحدة، كان عاجزا جدا، زوجته إلى الآن لم تتقبل الأمر منذ شهر ونصف ولم يتقبله هو
الآخر لكنها لا تتوقف عن شم لحاف ابنها المطرز بالأزرق فيه اسمه " زياد
" ولا تتوقف عن البكاء فما يفعل؟ ما يفعل رجل وقع بين أمه، زوجته، ابنه، وأخيه؟
.... أخوه الذي قبل الطفل بصدر رحب وما منعته دمعة أحمد من إظهار فرحته.... يفكر
كذلك... ثم يتذكر ما مر على أخيه من مرارة العيش وألم العقم فيعذره...
ثم يتذكر أمه، المرأة
التي وضعت في موقف لا تحسد عليه أمام ابنها الأكبر الذي لم يرزق بطفل منذ سنين، هي
أم.... ستفعل اللازم فيعذرها
ثم ينظر إلى زوجته
بحالها المرثي جدا .... ودون التفكير يلعنهم جميعا
زملوني.... زملوني.....
أحمد في قلق ينادي
لالة عائشة :
أمي... أمي.... أمينة....
ما بها أمينة يا احمد؟
اصابتها تلك الرجفة
مرة أخرى..... عادت إليها تلك الرجفة يا أماه
تذهب إليها لالة عائشة
وكم كانت صارمة وقوية وشجاعة ذات قلب حديدي تغطيها بالغطاء وتتحسس جبينها
ليس بك حمى...... إنها
رجفة برد و حسب
و لكن يا أمي.....
كان أحمد يدرك أنها
أقوى من رجفة البرد..... إنها رجفة الشوق والحنين..... رجفة الضعف..... رجفة أم
هي رجفة برد
أصابتها.... لا تنس أنها لا تزال نفساء، عادية مثل هذه الأشياء
نفساء؟ بل هي ميتة بين
أحياء لا يقوون على رؤيتها أو يتظاهرون بذلك
وغطّت أمينة في نوم
عميق واستمر أحمد بمراقبة ملامح زوجته البريئة جدا والحزينة جدا، بل المظلومة جدا....
ثم مرت على القصة
أربعة أشهر تحاول فيها أمينة البقاء على قيد الحياة وتتجنب لالة عائشة أن يأتي
ابنها بزياد إليهم. أربعة أشهر تشم اللحاف فقط وتلامس جوفها الفارغ وروحها التي
نسج الحزن نسيجه بها.
كانت أمينة تحضر الشاي
لأحمد الذي كان يمازحها لتضحك ويحاول مسايرتها بطرف مهضومة والتي استطاعت أن ترسم
تلك الابتسامة الجميلة على شفتيها، لا ينكر أحد أن أحمد كان يحب أمينة حبا كبيرا،
لكن لا أحد ينكر أيضا ما عاناه لاسترجاع شيء منها. يقولون أنه يستحيل أن ترجع كلها
وأن الأم التي أخذ منها ابنها عنوة قطع من روحها شيء لا يرجع ولن يرجع وسيرمى في
عرض محيط كبير خصص للأمهات اللاتي أخذ منهن كبد أو روح.... هكذا الاسطورة تقول
إإإإ من يدري إن كانت حقيقية أم لا لكن " الحاجة حليمة " تقسم أن هذا ما
حل بأمينة، وأن هذا التغير الطفيف الذي حدث لها مؤخرا وأن هذه الضحكات النادرة
التي تمن على أحمد بها دونا عن غيره هو عودة نصفها، ولا داعي لانتظار عودة ما تبقى
منها لأنه لن يعود.
واختفت تلك الابتسامة
التي ردت إلى أحمد بعضا من الطمأنينة من شفتي أمينة، وتصلبت عروق وشرايين رقبة أحمد
عند سماعه للترحيبات التي لاقاها أخوه رياض وزوجته مريم بعد أول زيارة لهما منذ
أربعة أشهر.
"زياد.... كبرت يا زياد.... قطعة السكر يا حبيبي"
تقول عمته
وتفتكه جدته من حضنها
وهي تقول "كيف حال حفيدي... كيف حالك يا روح قلبي.... ااه زياد" ثم تردف
ممازحة "ألم تتكلم بعد يا زياد؟.... ظننتك تكلمت وستأتيني ماشيا" وينفجر
الجميع ضاحكا
في المطبخ أحمد في
موقف لا يحسد عليه، حتى اسمه.... تركوه نفسه... زياد، نفس الاسم التي اختارته أمه
بدأت أمينة بالخروج
ببطء من المطبخ، ببطء مخيف، وتبعها أحمد في عجلة ورعب مسقطا كأس الشاي خاصته على
ملابسه
فأغمضت أمينة عينيها
تلقائيا واشتمت ريح ابنها على بعد مترين منه "اااه نفس الرائحة" ثم نظرت
إلى أحمد "نفس الرائحة يا أحمد" واغرورقت عيناها بالدموع
أحمد الآن في حيرة،
يتركها لتذهب إلى زياد لكنه لا يعلم ما سيحصل، أم يرجعها إلى غرفتها فيمنعها منه
مرتين بعد الأولى الصادمة، ولم يستغرق الأمر وقتا حتى جاءه الرد من لالة عيشة
بنظرة واحدة. هو يعرف تلك العيون وما تقول عينان يملأهما كحل سميك غطى جزءا معتبرا
منهما، نظرة حادة وبؤبؤ ثابت لا يتحرك يدل على جدية الأمر وأنه وجب عليك أن تتحرك
يا أحمد وتأخذ أمينة إلى غرفتها.
أمينة التي صار وزنها
ضعيفا، روحها هشة، جسمها مملوء بكدمات الأسى. استطاع زوجها أخذها بسلاسة إلى
غرفتها، أية قوة تمتلك لمقاومة هذا التصرف... لمقاومة أحمد.... من هي لتقاوم لالة
عيشة؟ .... من هي؟ ... يتيمة الأب من عائلة بسيطة جدا وأم لا تقوى هي الأخرى
لمثيلات لالة عيشة اللاتي لم يرهقهن سكري أو ضغط دم.
ثم أتت به جدته إلى
حضن أمينة مساء منفردة بها في غرفتها، بالنهاية هي أم وتفهم غالبا ما يحصل لزوجة
ابنها
نهضت أمينة من فراشها
لتلتقط ابنها بين أحضانها وابتسامة نصر على شفتيها اللتان ابيضتا من الأسى وعيناها
اللتان تقطعتا من البكاء، وأخذت تلامس وجنتي ابنها بغبطة وتقبله في وجهه ويديه
الصغيرتين ورجليه وتشمه... تشمه بقوة
كل هذا أمام ناظري
لالة عيشة المرأة الحديدية
"هل رأيت؟ سيكون ابنك دائما بقربك يا ابنتي وسترينه متى
ما شئت"
لا ترد أمينة واستمرت
بوضع قبلاتها الدافئة على جبين ابنها، ستنقض عليها قاتلة إذا سنحت لها الفرصة والصحة
الجسمية
تركتها لالة عيشة
هنيهات مع ابنها فاغتنمت الفرصة لتخبره
ابني... زياد... أنت
ابني أنا ولن أتخلى عنك.... حسنا يا روحي؟.... سأسترجعك
ثم تبدأ في البكاء وتقبله
مجددا، كم اشتقت اليك يا ولدي، انظر هذه صنعتها خصيصا لك، وأخرجت من الدرج منديلا
مخاطا بعناية عليه صورة دب، هذا لك لكنك لن تأخذه إلى هناك
سارة جلطي، الجزائر

